بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 آذار 2026 12:00ص في ذكرى الرئيس صائب سلام زعيم الوحدة الوطنية ورجل لبنان الواحد

حجم الخط
المهندس هشام جارودي

تمرّ ذكرى رحيل الرئيس صائب سلام، فتعود إلى الذاكرة صفحة مضيئة من تاريخ لبنان، ويعود معها رجلٌ شكّل في حضوره السياسي والوطني مدرسةً في الاعتدال والحكمة والوطنية الصادقة.
لم يكن صائب سلام مجرد رئيس حكومة في سجل الدولة اللبنانية، بل كان واحداً من رجالات لبنان الكبار الذين تركوا بصمة واضحة في مسار تاريخه الحديث. كان زعيماً بحجم وطن، ورمزاً لبيروت التي أحبها وأحبته، وصوتاً ثابتاً للوحدة الوطنية في زمنٍ كثرت فيه الانقسامات.
ولا تزال عباراته الشهيرة حيّة في ذاكرة اللبنانيين، لأنها لم تكن شعارات عابرة، بل تعبيراً عن قناعة راسخة ورؤية وطنية عميقة: «لبنان واحد لا لبنانان»، «لبنان وطن للجميع»، «لبنان المسلم والمسيحي».
بهذه الكلمات اختصر صائب سلام فلسفته السياسية، ووضع أساساً لمعادلة وطنية تقوم على الشراكة والاعتدال والعيش المشترك. كان يؤمن أن قوة لبنان لا تكون إلّا بوحدة أبنائه، وأن الانقسام هو الخطر الأكبر على الكيان.
لقد عرفتُ الرئيس صائب سلام عن قُرب، وكانت لي معه علاقة إنسانية ومهنية تركت أثراً عميقاً في حياتي. فقد بدأت العمل معه عام 1966 مهندساً في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية يوم كانت الجمعية برئاسته. وهناك اكتشفت عن قُرب جانباً آخر من شخصيته؛ جانب الإنسان الذي يرى في التعليم والعمل الاجتماعي أساساً لبناء المجتمع والنهوض بالوطن.
كان اهتمامه بالمقاصد امتداداً لإيمانه العميق بدور العلم في نهضة بيروت ولبنان، وكان يتابع شؤونها بدقّة وحرص، مؤمناً بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان.
ومن خلال تلك السنوات عرفت فيه إنساناً كبيراً قبل أن أعرفه زعيماً سياسياً. كان هادئ الطبع، قليل الكلام، لكنه حين يتكلم تختصر كلماته تجربة وطن. كان يستمع أكثر مما يتحدث، ويصغي إلى الناس باهتمام صادق، ويشعر بمسؤولية حقيقية تجاههم.
وكان أيضاً من رجالات الاستقلال الذين واكبوا تلك المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان. فقد كان توقيعه من بين التواقيع التي شهدت على ولادة علم لبنان بعد التوافق عليه بين رجالات الاستقلال، في لحظة تاريخية جسّدت ولادة الوطن الحر.
كما كان لاحقاً من رجالات اتفاق الطائف الذين سعوا إلى إعادة توحيد لبنان وترسيخ العيش المشترك بين أبنائه، مؤمناً دائماً بأن لبنان لا يمكن أن يستقيم إلا بوحدة شعبه وتضامن مكوّناته.
كان صائب سلام زعيم المصيطبة وابن بيروت، لكنه في الحقيقة كان حبيب كل لبنان. كانت بيروت بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ كانت هوية ورسالة ومسؤولية وطنية.
وفي ذكرى رحيله، نستعيد مسيرة رجل عاش للبنان، وعمل من أجل وحدته واستقراره.
نذكرك اليوم كبيراً من كبار وطني، وزعيماً للوحدة الوطنية.
نذكرك رجلاً آمن بلبنان الواحد، لبنان الذي يجمع أبنائه على المحبة والسلام.
نعم يا دولة الرئيس، كنت واحداً من كبار رجالات لبنان، ومن أولئك الذين يتركون في تاريخ أوطانهم أثراً لا يُمحى.
كبيرٌ من وطني لن ننساه.
رحم الله الرئيس صائب سلام،
وبقيت ذكراه حيّة في وجدان بيروت ولبنان، وفي ذاكرة كل من عرفه عن قُرب وعرف صدق وطنيته ونبل أخلاقه.