بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 كانون الثاني 2026 12:00ص في زمن الهشاشة الرقمية، الأمن القومي خارج المفهوم العسكري

حجم الخط
العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

لعقود طويلة، ارتبط مفهوم الأمن القومي بقدرة الدولة على حماية حدودها وسيادتها عبر القوة العسكرية وبناء الجيوش وعقد التحالفات الدفاعية، حيث كان التهديد واضح المصدر ويتمثل في دول وجيوش نظامية معادية. في هذا الإطار، شكّل الردع العسكري العمود الفقري للأمن القومي، وكانت السيطرة على الأرض والحدود هي المعيار الأساسي لقوة الدولة. غير أن هذا المفهوم بدأ يتآكل مع تسارع التحول التكنولوجي وتغيّر طبيعة الصراع الدولي.
اليوم، لم يعد التهديد بالضرورة دبابة تعبر الحدود أو طائرة تخترق الأجواء، بل قد يكون هجوماً سيبرانياً يشلّ شبكة كهرباء، أو اختراقاً مصرفياً يزعزع الثقة بالعملة الوطنية، أو حملة معلوماتية موجهة تربك القرار السياسي وتفكك المجتمع من الداخل. بذلك، انتقل الأمن القومي من المجال العسكري التقليدي إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي أدوات مركزية في إدارة الصراع.
يعتمد المفهوم الحديث للأمن القومي على القدرة على جمع البيانات وتحليلها والتحكم بتدفقها. فالذكاء الاصطناعي بات يُستخدم لرصد الأنماط السلوكية، التنبؤ بالأزمات، تحليل المخاطر، وإدارة العمليات السيبرانية. ولم تعد قوة الدولة تُقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية، بل بمدى تفوّقها المعلوماتي وقدرتها على اتخاذ القرار في التوقيت المناسب استناداً إلى معطيات دقيقة.
اقتصادياً، يظهر هذا التحوّل بوضوح في هشاشة سلاسل التوريد العالمية. فالاقتصاد الحديث قائم على شبكات رقمية مترابطة لإدارة الإنتاج والنقل والتمويل والتوزيع. أي خلل في البيانات، أو توقف في أنظمة الدفع الإلكتروني، أو انقطاع شامل للكهرباء أو الإنترنت، يمكن أن يؤدي إلى شلل اقتصادي واسع النطاق. مثل هذه الأزمات لا تبقى محصورة داخل حدود الدولة المتضررة، بل تمتد تأثيراتها إلى الأسواق الإقليمية والدولية، ما يجعل الأمن الاقتصادي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
في المجالين العسكري والاستخباراتي، لم يعد الصراع يُدار عبر المواجهة المباشرة أو جمع المعلومات التقليدي وحده، بل بات قائماً على التكامل بين القوة الصلبة والقوة المعلوماتية. فالجيوش الحديثة تعتمد على أنظمة قيادة وتحكم رقمية، وطائرات مسيّرة، ومنصات تحليل تعمل بالذكاء الاصطناعي، ما يجعل تعطيل هذه الشبكات أو اختراقها سيبرانياً أكثر تأثيراً من استهدافها ميدانياً.
وفي الوقت نفسه، تحوّل العمل الاستخباراتي من الاعتماد الحصري على العنصر البشري إلى نموذج هجين يجمع بين البشر وتحليل البيانات الضخمة ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت مصدراً رئيسياً لرصد الاتجاهات السياسية والمزاج العام، كما تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للحرب النفسية ونشر المعلومات المضللة.
هذا التداخل بين العسكري والاستخباراتي جعل ساحة المعركة غير مرئية في كثير من الأحيان، حيث تُستهدف الثقة، والقرار السياسي، وتماسك المجتمع، قبل استهداف الجيوش أو البنى العسكرية التقليدية.
في هذا السياق، تواجه الدولة الوطنية اختباراً مزدوجاً. فمن جهة، يمنحها التحوّل الرقمي أدوات غير مسبوقة للإدارة والضبط، ومن جهة أخرى يجعلها أكثر هشاشة أمام الاختراقات السيبرانية والضغوط الاقتصادية والاستخباراتية. الدول التي لا تملك سيادة على بياناتها ولا بنية تحتية رقمية محمية تصبح مكشوفة، مهما بلغت قوتها العسكرية التقليدية.
مواجهة هذا الواقع تتطلب مقاربة شاملة تتجاوز الحلول التقنية الضيقة. فحماية الأمن القومي الحديث تقتضي تأمين البنى التحتية الرقمية، وبناء قدرات سيبرانية دفاعية، وتعزيز العمل الاستخباراتي، وتنويع مصادر الطاقة والموارد الحيوية، إلى جانب تطوير كوادر وطنية قادرة على إدارة التكنولوجيا والأزمات واتخاذ القرار على أسس علمية.
أما في الدول النامية، فإن التحدي أكثر تعقيداً. فغياب الوعي الرقمي يجعل المجتمعات أكثر عرضة للتلاعب والحرب النفسية. من هنا، تصبح التوعية المجتمعية وإدماج مفاهيم الأمن السيبراني والوعي المعلوماتي في التعليم والإعلام جزءاً أساسياً من حماية الأمن القومي، لا يقلّ أهمية عن تحديث الجيوش أو امتلاك التكنولوجيا.
في المحصلة، لم يعد الأمن القومي مفهوماً عسكرياً صرفاً، بل أصبح منظومة متداخلة تشمل التكنولوجيا والاقتصاد والاستخبارات والوعي المجتمعي. ومن يستمر في التفكير بعقلية الحروب التقليدية وحدها، ويتجاهل هذا التحول البنيوي، سيجد نفسه خارج معادلة القوة، حتى وإن امتلك ترسانة عسكرية ضخمة. فمعارك العصر الحديث تُحسم في الفضاء السيبراني وعلى مستوى البيانات والعقول قبل أن تُحسم على الأرض.