أثار اتّفاق الإطار الذي وقّع بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتّحدة سجالاً واسعاً تجاوز حدود النّقاش القانوني والسّياسي الطّبيعي، ليتحوّل في كثيرٍ من الأحيان إلى مواجهةٍ بين وجهتي نظرٍ متناقضتين: الأولى ترى فيه خطوةً ضروريّةً لإخراج لبنان من دوامة الحرب وإعادة الاعتبار للدّولة ومؤسّساتها، والثانيّة تعتبره مشروعاً سياسيًّا وأمنيًّا يكرّس نتائج الحرب ويمنح إسرائيل مكاسب لم تستطع تحقيقها بالكامل بالقوّة العسكريّة. وبين هذين الموقفين المتقابلين، تبدو الحاجة ملحّةً إلى قراءةٍ متجرّدةٍ تنطلق من النّص نفسه، ومن الوقائع التي أفرزته، بعيداً عن التّخوين من جهة، أو التّسويق غير النّقدي من جهةٍ أخرى.
لا يمكن فهم هذا الاتّفاق بمعزلٍ عن السّياق الذي ولد فيه. فلبنان الذي أثقلته الحرب الدّائرة على أرضه بينه وبين العدو الإسرائيلي نتيجة الخسائر البشريّةٍ والمادّيّةٍ الهائلةٍ والتي أودت بحياة آلاف المواطنين، ودمّرت عشرات القرى ومعظم أحياء ضاحيته الجنوبيّة بما في ذلك بناها التّحتيّة ومرافقها الحيويّة، وألحقت بالمجتمع اللّبناني أعباءً قد تستغرق لمعالجاتها عقوداً من الزّمن. وفي المقابل، فإن اختلال ميزان القوى العسكريّة بين الطّرفين كان واضحاً وجليًّا، يستدلّ عليه من أعداد النّازحين ولا لزوماً للتّذكير به. ومن ثم فإن أيّ تقييمٍ موضوعي يجب أن ينطلق من حقيقةٍ أساسيّةٍ مفادها أن الاتّفاقات التي تلي الحروب لا تصاغ عادةً في فراغٍ قانوني مجرّد، بل في ظلّ موازين قوى تفرض ذاتها على طاولة التّفاوض، وربما هذه الاعتبارات هي التي أملت على فخامة رئيس الجمهورية للإعلان عن جهوزيّة لبنان للتّفاوض المباشر.
من هذا المنطلق، لا يبدو من الصّواب تصوير الاتّفاق على أنه نتاج مؤامرةٍ أو مشروع استسلام، كما لا يبدو دقيقاً اعتباره إنجازاً كامل المواصفات، يضمن جميع المصالح اللبنانيّة. فهو، في حقيقته، وثيقةٌ انتقاليّةٌ تجمع بين عناصر إيجابيّةٍ يمكن البناء عليها، وثغراتٍ ينبغي التّنبّه إليها وتستوجب المعالجة قبل الوصول إلى أيّ اتّفاقٍ نهائي.
ومن أبرز المسائل التي أثيرت حول الاتّفاق الادّعاء بأنّه يشكّل اعترافاً لبنانيًّا بإسرائيل. والحقيقة أن النّصّ يتضمن إقراراً متبادلاً بحقّ كلّ دولةٍ في الوجود بسلامٍ وأمن، وهو أمرٌ يتجاوز مجرّد ترتيباتٍ لوقف الأعمال العدائيّة. إلّا أن ذلك لا يعني بالضّرورة انتقالاً فوريًّا إلى علاقاتٍ دبلوماسيّةٍ أو تطبيعٍ كامل مع عدو. فالاعتراف في القانون الدّولي درجات ومستويات، وما يتضمّنه النّصّ أقرب إلى الاعتراف المتبادل بواقعٍ سياسيٍّ وقانونيٍّ قائمٍ تمهيداً لإنهاء نزاع طال أمده. لا إلى إقامة علاقاتٍ طبيعيّةٍ شاملة، والتي تبقى رهن إرادة الشّعبين. وبالتّالي فإن تصوير الاتّفاق على أنه إعلان تطبيعٍ كاملٍ لا ينسجم بدقّةٍ مع مضمونه، كما أن إنكار أيّ أثرٍ قانوني لعباراته لا ينسجم بدوره مع طبيعة النّص.
كذلك أثيرت مخاوفٌ من أن الاتّفاق يمنح إسرائيل حرّيّةً مطلقةً في العمل العسكري داخل لبنان. والواقع أن النّصّ لا يتضمّن إقراراً صريحاً لإسرائيل بممارسة عمليّاتٍ عسكريّةٍ مفتوحةٍ أو غير مقيّدة، بل يتحدّث عن عمليّةٍ متدرّجةٍ لإعادة الانتشار مرتبطةٍ بقدرة الدّولة اللبنانية على حصر السّلاح بأجهزتها النّظاميّة، وعن آليّات تنسيقٍ ومتابعةٍ تشارك فيها الولايات المتّحدة. إن الإشكاليّة الأساس تكمن في غياب جدولٍ زمنيٍّ ملزمٍ وواضحٍ للانسحاب الكامل فكلّما ارتبط الانسحاب بشروطٍ فضفاضةٍ أو بمفاهيم قابلةٍ لتفسيراتٍ متعدّدة، ازدادت احتمالات الخلاف حول تنفيذ الالتزامات، وتحوّل الاتّفاق من أداةٍ لإنهاء النّزاع إلى إطارٍ لإدارته بصورةٍ مختلفة.
وهنا تبرز إحدى أكثر الهواجس مشروعيّة، وهي الخشيّة من أن يتحوّل الانسحاب الإسرائيلي إلى عمليّةٍ مفتوحةٍ زمنيًّا ترتبط بتقييماتٍ متغيّرةٍ لمسألة نزع سلاح حزب الله، الذي لم يزل يبدي رفضاً قاطعاً لهذا الأمر، من دون أن يبدي استعداده لتسليمه طوعيًّا حتى ولو انسحبت إسرائيل من لبنان. وهذا ما يجعل الأمور أكثر تعقيداً لكون نصّ الاتّفاق الإطاري يربط مسألة إعادة الانتشار بتحقق شروط تسليم الحزب لسلاحه أو نزعه منه، من دون تحديد مهلٍ نهائيّةٍ واضحة لعدم قدرة الدّولة على الزام الحزب بموعدٍ معلوم. رغم أن مصلحة لبنان تقتضي التّمسّك في أيّ نصّ يحدّد جدولاً زمنيًّا محدّداً لانسحابٍ إسرائيليٍّ كامل، وإنشاء آليّة تحقّقٍ دوليّةٍ متعدّدة الأطراف، بحيث لا يبقى تقدير التّنفيذ رهناً بإرادة طرفٍ واحدٍ أو بتوازناتٍ سياسيّةٍ متقلّبة.
وتبرز أيضاً مسألة عودة السّكان إلى القرى الحدوديّة بوصفها إحدى القضايا الإنسانيّة والسّياديّة الأساسيّة. فالنّصّ يتحدّث عن عودة المدنيين بعد استعادة الدّولة اللّبنانيّة سيطرتها الفعليّة على المناطق المعنيّة، وهو أمرٌ إيجابيٌّ من حيث المبدأ. غير أن ربط العودة بمراحل انتقاليّةٍ وبمناطق تجريبيّةٍ يثير خشيّةً مشروعةً من إطالة أمد التّهجير لأهالي بعض القرى في مناطق معيّنة. ولذلك ينبغي أن يكون ضمان العودة السّريعة والآمنة للأهالي، وربطها ببرامج إعادة الإعمار المباشرة، من أولويّات أيّ تفاوضٍ لاحق، وهذا ما يحول دونه أيضاً رفض حزب الله في التّخلي عن سلاحه لصالح الجيش اللبناني، وإصراره على ربط مصير لبنان بأجندة المشروع الإيراني الإقليمي.
ومن بين الهواجس التي تستحقّ عنايةً خاصّةً أيضاً تلك المتعلّقة بالبند الذي يدعو إلى وقف الأعمال العدائيّة أو السّلبيّة في المحافل السّياسيّة والقانونيّة الدّوليّة. فهذه العبارة، بصيغتها الحاليّة، تحتمل أكثر من تفسير. فإن فهمت على نحوٍ واسع، فقد تستخدم لتقييد حرّيّة لبنان في التّعبير عن مواقفه تجاه القضيّة الفلسطينيّة، وربما في اللّجوء إلى المؤسّسات الدّوليّة دفاعاً عن حقوقه. أما إذا فسّرت بصورةٍ مضيّقةٍ ومحصورةٍ بالقضايا الثّنائيّة المرتبطة مباشرةً بتنفيذ الاتّفاق، فإن الإشكاليّة تصبح أقلّ حدّة. ومن هنا تبرز ضرورة توضيح هذا البند بصورةٍ لا تترك مجالاً للمساس بالسّيادة الدّبلوماسيّة اللبنانيّة أو بحرّيّة الدّولة في اتّخاذ المواقف التي تراها منسجمةً مع قناعاتها ومصالحها الوطنيّة والتزاماتها الدّوليّة.
أما التّخوّف من أن يؤدّي الاتّفاق إلى فتنةٍ داخليّةٍ أو تفكّك المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة أو إلى تدخّلاتٍ خارجيّة في الشّأن اللبناني، فهو من أكثر الهواجس حساسيّةً وخًطورة، خاصّةً بعد تلاعب الحزب بمشاعر بيئته الحاضنة، وإيهامها بأن سلاحه هو الضّامن لمصالحها، مع العلم أن تجاربنا السّابقة أثبتت أن أيّة محاولةٍ لمعالجة الانقسامات الدّاخليّة عبر الاستقواء بالسّلاح أو الخارج تؤدّي غالباً إلى نتائج عكسيّة. ولذلك فإن أيّ دعمٍ عربيٍّ أو دولي يجب أن يبقى محصوراً في تعزيز مؤسّسات الدّولة الشّرعيّة، وعلى رأسها الجيش والقوى الأمنيّة، لا في دعم قوى أو اصطفافاتٍ داخليّةٍ ضدّ أخرى كما هو الحال بين إيران وحزب الله. كما أن أيّ مسارٍ يهدف إلى معالجة مسألة السّلاح أو إعادة تنظيم الحياة السّياسيّة يجب أن يكون بقراراتٍ ومواقف واضحةً وصريحةً تكرّس منطق دولة المؤسّسات، وفي الوقت عينه تراعي خصوصيّات المجتمع اللبناني وتعقيداته، لا بمقارباتٍ إقصائيّةٍ قد تعيد إنتاج الأزمات نفسها بأشكالٍ مختلفة.
وثمّة مسألةٌ فائقة الأهميّة تكمن في أمرٍ يكاد يكون مغيّباً عن معظم النّقاشات، وهو غياب أيّة معالجةٍ واضحةٍ لمسألة معالجة الأضرار الهائلة التي لحقت بلبنان. فالاتّفاق يتحدّث عن دعمٍ دولي لإعادة الإعمار وعن مساعداتٍ اقتصاديّةٍ واستثماراتٍ مستقبليّة، لكنه لا يتضمّن نصوصاً واضحةً تتعلّق بالمسؤوليّة عن الأضرار أو بالتّعويضات. وهذه ثغرةٌ جوهريّة، لأن العدالة لا تقتصر على وقف القتال ومنع تكراره، بل تشمل أيضاً معالجة نتائجه وإنصاف المتضرّرين منه بمعزلٍ عن مدى تأييدهم لحزب الله. ونرى أنه من المتوجّب أن يعير المسؤولون في لبنان، أهميّةً لمسألة تعويضه عما لحق به من خسائر بشريّةٍ ومادّيّة، إلى تثبيت التزاماتٍ أوضحٍ في هذا المجال سواء بتحميل المسؤوليّة لإسرائيل أو إيران.
وبجميع الأحوال ينبغي إلّا يحكم على الاتّفاق الإطاري ما بين صالحٍ أو طالح. فهو يحمل في طيّاته فرصةً حقيقيّةً لإنهاء مرحلةٍ طويلةٍ من المواجهة وعدم الاستقرار، وإعادة الاعتبار لمؤسّسات الدّولة اللّبنانيّة، وفتح الباب أمام إعادة الإعمار والتّعافي الاقتصادي. وإن كان يحمل في طيّاته مخاطر جدّيّةٍ نتيجة ما يعتري بنوده من غموض، كافتقاده لجداول زمنيّة ملزمة، وعدم وضوح آليّات التّحقّق، واحتمال تحوّل بعض التّرتيبات الانتقاليّة إلى وقائع دائمةٍ إذا لم تعالج بصورةٍ دقيقة.
ونخلص للقول إن المعركة الحقيقيّة لا تكمن في السّجال السّياسي الدّائر حول الاتّفاق إنما في تكريس الدّولة اللبنانية لسيادتها الدّاخليّة وحصر السّلاح في الأجهزة النّظاميّة والحرص على استقلال قرارها الدّبلوماسي، ومن دون شك في حسن إدارة المفاوضات في مراحلها القادمة، والتي من المتوقّع أنه سيصار خلالها إلى إعداد ملحقٍ أمني وتحديد آليّات التّنفيذ. هذه الأمور تمكّن لبنان في انتزاع ضماناتٍ واضحةٍ للانسحاب الكامل ضمن مهلةٍ محدّدة، وتأمين آليّات تحقّقٍ دوليّةٍ متوازنة، وضمان عودة الأهالي وإعادة إعمار المناطق المتضرّرة.
إن هذا الاتفاق بالرّغم مما يوجه له من انتقادات، فهو يشكّل مدخلاً إلى مرحلةٍ جديدةٍ من استقرارٍ مستدامٍ فرصه متاحة. أما إن بقي حزب الله على تعنّته وغموض مواقفه والإصرار على تفضيل ما يرشح عن المفاوضات الأميركيّة الإيرانيّة على المفاوضات التي يخوضها لبنان دفاعاً عن مصالحه العليا، فإننا سنعود إلى دوامة الصّراعات غير المتكافئة، وسيبقى السّلام المنشود مجرّد وهمٍ بعيد المنال.