د. محمد دوغان
بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، يتشابك الشرق الأوسط في لعبة نفوذ متعددة المستويات، الملفات المعلنة (البرنامج النووي الإيراني، ودعم طهران لأذرعها الإقليمية) التي تمثل العناوين الأبرز، لكنها لا تكشف عن البُعد الأكثر حساسية واستراتيجية: منطقة بندر عباس ومضيق هرمز. هذه المنطقة ليست مجرد شريان بحري لتصدير النفط، بل ورقة الردع الخفية التي تمنح إيران قدرة غير مباشرة على تحدّي المخططات الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
بندر عباس، المطلّة على مضيق هرمز، تشكّل نقطة محورية في السيطرة البحرية الإيرانية على الخليج. مرور نحو عشرين بالمئة من النفط العالمي عبر هذا الممر يجعل أي تهديد لإيران ليس مجرد صراع إقليمي، بل أزمة عالمية محتملة في أسواق الطاقة. هذه القدرة تمنح طهران هامش مناورة فريداً، ويجعل أي تحرك مباشر ضدها محفوفاً بالمخاطر، ويجبر واشنطن وتل أبيب على موازنة أهدافهما السياسية مع عواقب اقتصادية كبرى.
المعركة بين مشاريع النفوذ الأميركية – الإسرائيلية وبين القوة الإيرانية ليست محصورة في الأراضي اللبنانية أو السورية، بل تمتد لتشمل التوازن البحري والاقتصادي العالمي. إسرائيل تسعى إلى تأمين التفوّق العسكري والسياسي، وواشنطن إلى ضبط النفوذ الإيراني في الخليج العربي، لكن أي خطة توسعية تواجه تحدّياً حقيقياً أمام قدرة إيران على التحكّم بمضيق هرمز. من هنا، تتحوّل هذه الورقة البحرية إلى أداة استراتيجية للدفاع والهجوم غير المباشر، تتيح لطهران حماية مصالحها الإقليمية وتأمين خطوط نفوذها من الخليج إلى المتوسط.
لبنان مثال حيّ على انعكاسات هذا التوازن، حزب الله ليس مجرد قوة محلية، بل جزء من شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة، التي تستخدم لتعزيز موقع إيران الاستراتيجي ومواجهة أي محاولات توسعية أميركية - إسرائيلية. ولكن السيطرة على مضيق هرمز تعزز من قدرة إيران على الضغط سياسياً واستراتيجياً، وتضاعف من فعالية حلفائها الإقليميين، وتجعل أي حسابات أميركية أو إسرائيلية أكثر تعقيداً.
ان تاريخ المواجهات في الخليج، من حرب الخليج الثانية إلى التوترات البحرية الحديثة، يثبت أن إيران تستطيع استثمار هذه الورقة دون الدخول في صدام مباشر، وتحويل أي تهديد إلى ورقة ضغط مؤثرة على المستوى العالمي. لذلك، أي قراءة للملفات الإقليمية، سواء في لبنان أو في الخليج، تكون ناقصة دون إدراك البُعد البحري الاستراتيجي الذي يمنح إيران قوة الردع والقدرة على المناورة، ويجعلها لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي حسابات إقليمية أو دولية.
في المحصلة، بندر عباس ومضيق هرمز ليسا مجرد مواقع جغرافية؛ بل البطاقة الخفية التي تجعل إيران كابوساً حقيقياً أمام المشاريع التوسعية الأميركية – الإسرائيلية. هذه الورقة البحرية الاستراتيجية، القادرة على تهديد مصالح الطاقة والاستقرار الإقليمي، تجعل أي خطوة أميركية أو إسرائيلية في الشرق الأوسط أكثر تعقيداً، وتضع القارة بأكملها أمام واقع لا يمكن تجاهله: إيران قادرة على الدفاع عن مصالحها بطريقة غير تقليدية، وتحويل أي مواجهة إلى لعبة دقيقة بين النفوذ البحري، العقوبات الاقتصادية، والقدرة على الردع الإقليمي.