لقد استبشر اللبنانيون خيرا عندما انتخب الجنرال جوزاف عون رئيسا للجمهورية وعندما سُمّي القاضي الدكتور نواف سلام رئيسا للحكومة وابتدأ العهد على وطأة عالية النبرة خاصة بعد تلاوة خطاب القسم والبيان الوزاري لحكومة الرئيس سلام مضى اللبنانيون متفائلين إن أخيرا استلم الوطن فريق نزيه شفاف بتوجهات سيادية وهدف واحد هو النهوض بالوطن وأعاده لبنان إلى المنظومة الدولية والانتظام العام وسرعان ما تبددت هذه الآمال فالأداء الحكومي منذ الأشهر الأولى كشفت فجوة واسعة بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي لتقع هذه الحكومة سريعا في الرمال المتحركة اللبنانية التي لطالما ابتلعت مشاريع إصلاح سابقة.
رفعت الحكومة شعار الاحترافية والخبرة في مقاربة الملفات المعقّدة من الانهيار المالي إلى إعادة هيكلة الإدارات العامة لكن الممارسات اليومية أظهرت قدرا من الارتجال وغياب الرؤية المتكاملة قرارات الحكومة في كثير من الأحيان والملفات بدأت كردة فعل ظرفية وليست نتاج خطة واضحة المعالم أو برنامج إصلاحي متدرج فبدل أن تبادر الحكومة السلامية إلى خطوات جريئة تعيد الثقة داخليا وخارجيا غرقت في حسابات سياسية ضيقة وأرسلت إشارات متناقضة للأسواق والمجتمع الدولي والدليل أن لا استثمارات خليجية أو دولية حصلت حتى الآن مما زاد من مناخ الشك والانتظار القاتل.
ورغم التعهد بكسر منطق المحاصصة جاءت التعيينات في عدد من المراكز الأساسية لتعيد إنتاج الأسلوب القديم نفسه توزيع النفوذ وفق توازنات سياسية لا وفق معايير الكفاءة والاستقلالية وهكذا بدأت الحكومة وكأنها تعيد تدوير الأسماء ولا تغيير في النهج. هذا السلوك أضر بمصداقية الحكومة وعلى رأسها رئيس الوزراء وعمّقت الانطباع بأن البنية العميقة للنظام ما زالت أقوى من أي نيّة إصلاحية وأن منطق المحسوبية لا يزال الحاكم الفعلي للمفاصل الحسّاسة في تركيبة البلد.
من أبرز الإشكاليات التي واجهت هذه الحكومة احاطتها بشخصيات ووجوه مشبوهه ببعض الأحيان وتصنف ضمن امتدادات المرحلة السابقة. هذا الواقع جعل الكثيرين يتساءلون هل نحن أمام قطيعة فعلية مع الماضي أم مجرد إعادة تموضع للقوة نفسها تحت عنوان جديد؟ الملفات الحسّاسة وعلى رأسها ملف المصارف وحقوق المودعين شكّلت اختبارا حقيقيا «فسرقة العصر» كما يسمّيها اللبنانيون ما زالت من دون محاسبة واضحة أو مسار قضائي جديّ يعيد جزءا من الثقة المفقودة فبدلا من خطة شفافة لتوزيع الخسائر بشكل عادل بدا النقاش وكأنه يدور في حلقة مفرغة ناهيك عن التكاذب في التصريحات على ألسنة المسؤولين والتأويلات المنسوبة عن صندوق النقد وغيرها من الإدارات الدولية التي تحاول جاهدة مساعدة لبنان على حل هذه المعضلة. كل هذا وسط خشية من تسويات تحمي أصحاب النفوذ على حساب المودعين.
لا يمكننا إنكار صعوبة المرحلة وتعقيدات التوازنات الداخلية والإقليميه ولكن ما يؤخذ على الحكومة هو غياب الجرأة في مواجهة الملفات الحسّاسة بجديّة فالإصلاح لا يكون بإدارة الأزمة بل بكسر منطقها وهذا التوجه هو مطلب اللبنانيين والمجتمع العربي والدولي للبنان وكان عنوان المرحلة لعهد الرئيس جوزاف عون وهذا التوجه هو من ضمن خارطة الطريق لهذا العهد. العهد الجديد لا يبنى على تسويات رمادية بل على قرارات واضحة تضع حدا للا فلات من المحاسبة. يوم بعد يوم تتعزز القناعة لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأن الأداء الحكومي أقرب إلى الـ amateurism السياسي منه إلى احترافية منطق الدولة. فالثقة التي منحت على أساس الوعود الكبيرة (خطاب القسم والبيان الوزاري) تتآكل تدريجيا أمام واقع التردد والإزدواجية بالمعايير.
لبنان لا يحتاج إلى حكومة تدير التوازنات فحسب بل إلى سلطة تعيد تعريف قواعد اللعبة المبنية على تطبيق الدستور المحاسبة والانتساب الى الانتظام الدولي. لبنان بحاجة إلى شفافية حقيقية استقلالية في التعيينات حسم في ملف المصارف ومصارحة الرأي العام بحجم الخسائر محاسبة المرتكبين وخيارات المعالجة. لسوء الحظ إن استمرار النهج الحالي بالتعاطي يهدّد بتحويل العهد الجديد إلى امتداد باهت لما سبقه بدل أن يكون محطة تأسيسية لمسار مختلف يضع لبنان على طريق النهوض والإبداع كما عوّدنا دائما.
أخيرا التاريخ اللبناني الحديث يظهر أن الفرص الضائعة لا تتكرر بسهولة خاصة وأن هناك إجماعا عربيا ودوليا على احتضان لبنان وإنقاذه من محنته إذا عرفت الطبقة الحاكمة كيف تتجاوب مع متطلبات المرحلة القادمة في المنطقة.
لبنان واللبنانيون يستحقون فرصة جديدة آمل أن لا نضيّعها على أنفسنا.