د. حسين محمود رمال*
إنّ مقولة «لبنان وطنٌ نهائي لجميع أبنائه» ليست تعبيراً سياسياً عابراً، بل رؤية فلسفية تأسيسية أطلقها الإمام موسى الصدر حين أراد تثبيت الكيان في وعي أبنائه باعتباره خياراً نهائياً لا ساحة مؤقتة. وهي رؤية تلتقي جوهرياً مع توصيف البابا يوحنا بولس الثاني للبنان بأنه «وطن رسالة»، أي نموذج إنساني للتعدد والتلاقي، لا مخزناً ديموغرافياً فائضاً عن مشاريع الآخرين، ولا مساحةً رخوة تُدار من الخارج. من هذا المنطلق، يصبح السؤال المطروح اليوم سؤالاً وجودياً لا سياسياً:
هل يبقى لبنان وطناً نهائياً ذا سيادة مكتملة، أم يتحوّل تدريجياً إلى خدمة غير مباشرة لمشروع التوسّع الإسرائيلي، القائم تاريخياً على إعادة توزيع الكتلة السكانية خارج أرضها الأصلية، وإسقاط حق العودة عملياً عبر تكريس وقائع التوطين في بلدان اللجوء؟
أولاً: السيادة شرط الوجود لا تفصيل دستوري
لا معنى لفكرة «الوطن النهائي» إن لم تُستند إلى سيادة غير منقوصة. وعليه، فإن الأولوية الوطنية تتقدّم في المسار الآتي: إطلاق حوار وطني جادّ برعاية رئاسة الجمهورية، يفضي إلى إقرار استراتيجية وطنية شاملة للدفاع عن لبنان الوطن والدولة والشعب، تنقل مفهوم القوة من الجدل إلى الفعل المنظَّم. إعادة تعريف المقاومة الوطنية اللبنانية تعريفاً قانونياً دقيقاً، بوصفها حاجة دفاعية محصورة بالدفاع عن لبنان حصراً، وتحت سقف الدولة وإشرافها.
تجاوز الصيغ الانقسامية، واعتبار الدفاع عن لبنان سخية واحدة لا تتجزأ بين الشعب والدولة والمؤسسات العسكرية، إذ لا سيادة موزّعة، ولا شرعية مجزأة. المقاومة، إن لم تُحَدَّد دستورياً، تتحوّل إلى إشكالية داخلية؛ وإن لم تُدمَج في إطار الدولة، تبقى موضع نزاع دائم. المطلوب تثبيت وظيفتها الدفاعية في حدود لبنان، دون توظيف يتجاوز الكيان أو يعرّضه لأخطار خارجية.
ثانياً: رفض التوطين كخيار وجودي
إن رفض التوطين ليس موقفاً ظرفياً مرتبطاً بتوازنات ديموغرافية، بل هو مسألة بقاء الكيان بفرادته. وعليه: رفض كل أشكال التوطين الصريح أو المقنّع. مراجعة سياسات التجنيس التي أخلّت بالمعايير السيادية، وإخضاعها لرقابة دستورية صارمة. التشدّد في منح الجنسية، باعتبارها رابطة سيادة لا أداة تسوية سياسية.
ضبط الأعمال الإدارية المختصة بسجلات النفوس وفق القانون منعاً لأي تلاعب بالهوية الوطنية. فالدولة التي تحوّل المخالفة إلى هوية، تُضعف مفهوم الانتماء القانوني.
والسيادة لا تُدار بالعاطفة، بل بالضبط المؤسسي. ثالثاً: حصرية السلاح بيد الدولة لا يمكن تثبيت مفهوم الوطن النهائي بوجود قوة مسلحة خارج الإطار الشرعي.
لذلك: إقرار خطة استراتيجية دفاع للأمن القومي الوطني بأمرة الدولة وفق محددات المصلحة الوطنية اللبنانية منعا لأي جدال يتعلق بمصير لبنان وجرّه إلى التيه. حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية. إزالة كل مظاهر السلاح غير الشرعي. تشديد منح رخص السلاح وضبطها قانونياً. السيادة بطبيعتها لا تقبل التوازي، لأن ازدواج القوة يعني ازدواج القرار.
رابعاً: ضبط الحدود وتنظيم الوجود الأجنبي
الحدود هي خط السيادة الأول، ومن دون السيطرة الفعلية عليها يصبح الكيان نظرياً.
تعزيز الحضور الرسمي على كل الحدود.
تنظيم اليد العاملة الأجنبية وفق الحاجة الوطنية. إنهاء أي وجود غير شرعي ضمن آليات قانونية واضحة.
الدولة ليست مساحة مفتوحة، بل كيان منظم تحكمه قواعد إقامة وانتماء محددة.
خامساً: التمسّك بالحق الإنساني دون تكريس الوطن البديل
إن التمسك بالمبادئ الإنسانية يقتضي احترام حق الإنسان في العودة إلى وطنه، كما نصت المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة. غير أن هذا التمسّك لا يعني تحويل لبنان إلى وطن بديل، أو تفسير القرارات الدولية بما يؤدي عملياً إلى تثبيت التوطين في بلدان اللجوء. إن دعم القضية الفلسطينية واجب أخلاقي وإنساني، لكن ليس على حساب لبنان، ولا على حساب تركيبته الكيانية. فالوطن الذي يفقد حدوده الديموغرافية يفقد قراره السياسي.
سادساً: تحصين القرار الوطني
إنشاء هيئة دستورية تراقب التزام من يتولى الشأن العام بثوابت السيادة.
منع أي ممارسة سياسية تعرّض لبنان لمخاطر خارجية نتيجة ارتباطات غير منضبطة. تكريس مبدأ حماية القرار الوطني من أي تدخل. فالسيادة ليست شعاراً انتخابياً، بل التزام دستوري دائم.
سابعاً: تثبيت لبنان الرسالة
لبنان، كما وُصف، وطن رسالة. لكنه لا يؤدي رسالته إلّا إذا حمى ذاته أولاً. توحيد كتاب تربوي وطني يعكس محددات الهوية والسيادة. تفعيل دور الإعلام الرسمي في تعزيز ثقافة الدولة.
إعادة الاعتبار لقدسية الدولة بمعناها السيادي، بوصفها الإطار الحامي للتنوع.
ويمكن، بعد التوافق الوطني، إيداع وثيقة الاتفاق الوطني لدى جامعة الدول العربية والمرجعيات الدولية المختصة، تثبيتاً لحق لبنان في حماية نموذجه الفريد واستقلال قراره.
لبنان أمام مفترق حاسم: إما أن يكون وطناً نهائياً مستقلاً، محدد الهوية، واضح السيادة، رافضاً للتوطين، منظماً لدوره الدفاعي ضمن إطار الدولة؛ وإما أن يتحوّل، من حيث يدري أو لا يدري، إلى ساحة تخدم مشاريع إعادة التوزيع السكاني والتوسّع الإقليمي.
الوطن النهائي ليس شعاراً، بل قرار.
والرسالة لا تُحمى بالنيّات، بل بالسيادة.
لبنان وطنٌ نهائي... أو يصبح خدمةً لمشروع غيره. المطلوب حوار وطني جامع برعاية رئيس الجمهورية وإقرار استراتيجية دفاع وطني تخرج إلى حيز الوجود إلى الفعل بعد القوة في شتى الميادين و الاستفادة من كل نقاط القوة الوطنية لحماية لبنان الوطن والدولة والشعب وإشراك عنصر الاغتراب اللبناني في هذه الاستراتيجية الشاملة لتكون المقاومة اللبنانية من كل اللبنانيين حماية للبنان الوطن والدولة والشعب وأن تكون العاصمة بيروت أنموذجا لهذه الاستراتيجية في شتى ميادين الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني والنفسي لطالما بيروت حضنت الجميع وكانت بحق أمّ الوطن.. استراتيجية تكون الكلمة الفصل فيها للدولة اللبنانية بمؤسساتها الدستورية كما هو اتفاق الطائف أولاها الجيش اللبناني حامي سياج الوطن والحائل المانع لمنع سقوط الدولة.
* باحث أكاديمي في القانون الدولي