جاء موقف رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون الرافض لفكرة لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أقله راهناً، ليعكس بدقة طبيعة المقاربة اللبنانية للمرحلة التفاوضية الحالية. فلبنان الرسمي يحاول الفصل بين الانخراط في مسار يهدف إلى تثبيت الاستقرار الحدودي ومنع الانزلاق إلى حرب جديدة، وبين أي انتقال سياسي يمكن أن يُفسََّر كخطوة تطبيعية أو كتحول في طبيعة العلاقة مع إسرائيل. من هنا، تبدو الجولة التفاوضية الثالثة محكومة بسقف لبناني واضح القائم على التفاوض التقني والأمني من دون الذهاب إلى مشهد سياسي مباشر لا يزال خارج الحسابات الحالية.
يتقاطع هذا الموقف مع توجُّه أميركي متزايد لتسريع الانتقال من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار إلى مرحلة معالجة الملفات الحدودية الأكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة تدفع نحو استكمال البحث في النقاط العالقة على الحدود البرية، وتأمين انسحاب إسرائيل من المواقع التي لا تزال تحتلها، بالتوازي مع مناقشة الضمانات الأمنية التي تطالب بها تل أبيب. إلا أن واشنطن تدرك في الوقت نفسه حساسية الوضع الداخلي اللبناني، لذلك تحاول إدارة المسار تدريجياً ومن دون فرض خطوات سياسية علنية قد تؤدي إلى انفجار داخلي أو إرباك حلفائها في بيروت.
ويبدو واضحاً أن الإدارة الأميركية تنظر إلى الملف اللبناني ضمن إطار استراتيجي أوسع يتجاوز حدود الجنوب اللبناني وحده. فالأولوية الأميركية لا تقتصر على منع عودة المواجهة العسكرية، بل تشمل أيضاً محاولة إعادة رسم التوازنات الأمنية في لبنان بعد التحولات التي فرضتها حرب غزة. ومن هذا المنطلق، تسعى واشنطن إلى تثبيت واقع أمني جديد يحدّ من احتمالات التصعيد مستقبلاً، ويؤسس لمرحلة أكثر استقراراً على الحدود الشمالية لإسرائيل.
في المقابل، يتمسك لبنان الرسمي بإبقاء المفاوضات ضمن إطار تطبيق القرار 1701، واستعادة الأراضي التي لا تزال تحت الاحتلال، ووقف الخروق الإسرائيلية المتكررة. ويحرص المسؤولون اللبنانيون على تجنب أي انزلاق، إدراكاً منهم لحجم الانقسام الداخلي حول هذا الملف، ولحساسية أي خطوة قد تُفسََّر على أنها مقدمة لتطبيع تدريجي مع إسرائيل.
لا يلغي هذا الحذر اللبناني وجود ضغوط كبيرة تمارسها إسرائيل في الاتجاه المعاكس. ف«تل أبيب» تبدو أكثر اندفاعاً نحو استثمار المناخ الإقليمي الراهن للدفع باتجاه ترتيبات تتجاوز مجرد تثبيت التهدئة. وهي ترى أن نتائج الحرب في غزة، إلى جانب الدعم الأميركي والغربي، يوفران فرصة لمحاولة فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة على الجبهة اللبنانية، سواء عبر ترتيبات طويلة الأمد جنوب الليطاني أو عبر فتح الباب تدريجياً أمام مسارات تفاوضية أوسع.
لكن رغم هذا الدفع الخارجي، لا تزال فرص تحقيق اختراق حاسم محدودة. فالفجوة بين مقاربة كل طرف لا تزال واسعة. ويركز لبنان على تثبيت السيادة والانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات، بينما تمنح إسرائيل الأولوية للحصول على ضمانات أمنية مشددة تقلّص مستوى التهديد القادم من الجنوب اللبناني. أما الولايات المتحدة، فتحاول إدارة هذا التناقض عبر الدفع نحو خطوات تدريجية تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار وتمنع انهيار الستاتوكو القائم.
إضافة إلى ذلك، تفرض الاعتبارات الداخلية قيوداً واضحة على هامش المناورة السياسية لدى جميع الأطراف. ففي إسرائيل، تواجه الحكومة ضغوطاً مرتبطة بالوضع الأمني والسياسي الداخلي، مما يدفعها إلى التشدد في الملفات الحدودية لتفادي الظهور بموقع المتراجع. وفي لبنان، تبدو السلطة محكومة بتوازنات دقيقة تجعل أي تنازل سياسي واسع أمراً بالغ الحساسية، خصوصاً في ظل استمرار الانقسام حول سلاح حزب الله ومستقبل العلاقة مع إسرائيل.
لذلك، تبدو الجولة المقبلة أقرب إلى اختبار متبادل للنوايا منها إلى محطة حاسمة لإنتاج تسوية شاملة. فإذا نجحت المفاوضات في تحقيق تقدم تقني محدود في الملفات الحدودية والأمنية، فقد يمهد ذلك لمسار تفاوضي أطول وأكثر تعقيداً. أما إذا اصطدمت المباحثات بالسقوف السياسية المرتفعة لكل طرف، فإنها ستتحول سريعاً إلى جولة جديدة من إدارة الأزمة، مع بقاء التوتر مضبوطاً تحت مظلة الوساطات الدولية والضغوط الأميركية.