في حمأة التصعيد الإسرائيلي الذي لا يتوقف، والذي يقابله إصرار "حزب الله" على عدم تسليم سلاحه، "ولو أطبقت السماء على الأرض"، تتجه الأنظار إلى اجتماع باريس المقرر في ١٨ الجاري، والذي يشارك فيه قائد الجيش العماد رودولف هيكل، والمبعوثة الاميركية مورغان أورتاغوس والمبعوث الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان، إضافة إلى مستشارة الرئيس الفرنسي لشؤون الشرق الاوسط آن كلير لوجاندر، والمسؤول عن الملف اللبناني في دوائر القرار السعودي الامير يزيد بن فرحان، في إطار الجهود التي تبذل لتسهيل عمل لجنة "الميكانيزم"، وبما يساعد على خفض منسوب التوتر بين إسرائيل و"حزب الله"، بانتظار ما سيفضي إليه اللقاء المقرر في البيت الأبيض في التاسع والعشرين من هذا الشهر، بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي، والانعكاسات المحتملة على لبنان .
وفي الوقت الذي أكّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، أنّ "الاتصالات مستمرة في الداخل والخارج لتثبيت الأمن والاستقرار في الجنوب من خلال المفاوضات عبر لجنة "الميكانيزم"، ليس هناك ما يشير إلى إمكانية أن ترضخ إسرائيل للضغوطات الخارجية، بالتخفيف من تصعيدها الميداني ضد لبنان، سيما وأن ما خلصت إليه زيارات عدد من الموفدين العرب والأجانب لبيروت، لا توحي بكثير تفاؤل بإمكانية تجاوب الاحتلال مع مساعي التهدئة، أو على الأقل الحد قدر المستطاع من استهداف الأراضي اللبنانية . لا بل على العكس من ذلك، فإن هؤلاء الموفدين قد عبروا عن قلقهم من الوضع الذي يمكن أن يواجه لبنان، في حال لم يحسم الجيش موضوع سلاح "حزب الله" .أي في حال لم يقم بتسلمه، في مهلة أقصاها آخر السنة، أو بعدها بقليل، متحدثين عن موقف دولي حازم في ما يتعلق بهذا الملف. ما قد يجعل فرنسا أو غيرها من الدول في موقع العاجز عن الوقوف في وجهه، أو منع أي ضربة اسرائيلية، سيما في ظل الدعم الأميركي والدولي، حيال ضرورة ألا يبقى وضع "حزب الله" على حاله، أي أن يشكل مصدر تهديد للبنان وجيرانه، رغم المطالبات العربية والدولية بتسليم سلاحه للدولة اللبنانية . ومن المرتقب أن يشكل الوضع في الجنوب، وما يتصل بالجهود العربية والدولية المبذولة للتهدئة، محور زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إلى بيروت، الخميس المقبل، حيث سيلتقي كبار المسؤولين ويبحث معهم في سبل تفعيل، ما بات يعرف بالمبادرة المصرية الهادفة إلى رأب الصدع بين لبنان وإسرائيل.
وإذ يزداد القلق العربي والدولي على لبنان، فإن الوسطاء باتوا على قناعة بأن لا قدرة للجيش اللبناني على نزع سلاح "حزب الله"، ما قد يعطي إسرائيل مبرراً لاستهداف لبنان مجدداً، في محاولة لنزع السلاح، بعدما أعلن الشيخ نعيم قاسم، أن حزبه لن يسلم سلاحه، وحتى لو أطبقت السماء على الأرض . لا بل أكثر من ذلك، إذ سبق ل"حزب الله" وقادته، أن أعلنوا الاستعداد لمواجهة الجيش اللبناني، إذا ما حاول نزع سلاح "الحزب" بالقوة، رغم إشادة باريس وعواصم القرار بما حققه الجيش اللبناني في منطقة جنوب الليطاني . لكن وفق ما تسرب من لقاءات الموفدين العرب والدوليين، في لقاءاتهم مع القيادات اللبنانية، فإن الخارج ليس بمقدوره منع إسرائيل من شن عدوان على لبنان، في حال تلقت دعماً من الولايات المتحدة، سيما وأنه لم يعد خافياً على أحد، أن الظروف قد تبدلت، وأصبح القرار بأيدي الأميركيين وحدهم .
وقد كان لافتاً ما تمخض عن اجتماعات المبعوث الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان، خلال زيارته الأخيرة لبيروت، من وجود عدم حماسة فرنسية لعقد مؤتمرات لدعم لبنان، قبل حسم موضوع سلاح "حزب الله"، حيث ظهر بوضوح أن الفرنسيين باتوا أقرب إلى الموقف الأميركي المتشدد حيال هذا الملف . وهنا الخطر الكبير الذي قد يتهدد لبنان الذي لم تظهر حكومته الحزم المطلوب بما يتعلق بملف السلاح، فيما بدا بوضوح وفقاً لقراءة دبلوماسية عربية، أن الموقف العربي، والخليجي تحديداً، قريب من الموقفين الفرنسي والأميركي .وأن عامل الوقت يلعب ضد لبنان . ولا بد بالتالي أن تلتزم الحكومة بما تعهدت به، بخصوص سلاح "حزب الله"، باعتباره جسر عبور نحو ترسيخ دعائم دولة القانون والمؤسسات . عدا عن أن تحقيق هذا الأمر، يشكل مدخلاً لمساعدة لبنان، سياسياً واقتصادياً، سعياً لإنقاذه من الأزمات التي يتخبط بها . لا بل أن هناك توافقاً إقليمياً دولياً، بأن قرار إنقاذ لبنان بأيدي مسؤوليه وحكومته .