منذ زيارة قداسة البابا ليو الرابع عشر، في الأول من كانون الأول 2025، نفرت إليه جموع اللبنانيين. يؤكدون محبتهم له، ويؤكدون كذلك، قسوة واقعهم وعمق مأساتهم. أرادوا أن يبرهنوا له على وحدتهم، فلم يبقَ فريق منهم، خارج حفل الاستقبال، على الرغم من سوء الأحوال الجوية، ومن شدّة تساقط المطر، ومن شدّة حاجاتهم التي تضايق حياتهم. اعتبروا أن حضوره كان خيرا عليهم، وأن أول الخير هو «نفنفة المطر»، ولهذا إستبشروا خيرا بقدومه.
هبّ اللبنانيون جميعا تحت المطر الذي زاد عليهم، ولم تنثنِ جموعهم، ولم تبالِ بالغرق. كنا نراهم على الطرقات، وقد إشتدّ وابله عليهم، يرقصون ويدبكون ويغنون، تأكيدا منهم أنهم يفدونه بأرواحهم، وإمعانا كذلك، على أنهم: «أنا الغريق فما الخوف من البلل».
احتشد الناس على الطرقات من كل الطوائف، ومن كل الأعمار، ومن كل المناطق، ومن كل الأجناس.. كانوا يتبارون حقيقة، فيمن يصل قبل الآخر، ومن منهم يكون أكثر قربا منه، ومن ينال بركة الملامسة والتحية والسلام. كانت عاطفتهم قوية للغاية، وكانت طرق تعبيرهم عن محبتهم وحسن استقبالهم لقداسته، لمما يجعلهم يبتكرون طرائق شتى، وأساليب شتى. كانت هداياهم له، تعبّر عن عمق المحبة. كانوا يزايدون على بعضهم بالعاطفة، حتى دخل ذلك اليوم المشهود، وتلك الزيارة المشهودة، المزاد العاطفي بينهم.
فمن اللبنانيين، من كانوا ينشدون السلام الذي اشتاقوا إليه. وقد بدت في تعابيرهم وفي خواطرهم وفي اللافتات التي رفعوها في المناسبة، أنهم يلاقون قداسته على درب السلام، وأنهم أهل الفدية والإفتداء والفداء، متمثلين إرادة الفادي، في مواقفه المشرّفة، وفي أقواله، التي ذهبت عناوين، لحياة المستضعفين، الذين ينشدون الخلاص من المحن والمظالم التي برحتهم.
إلتفّ اللبنانيون جميعا تحت راية «السلام لنا»، دون أن ينسوا الحاجات الأخرى في البلاد. كانوا يعبّرون عن واقعهم المرّ، تحت القصف اليومي، وفي ظل الحاجات الخانقة، يكاشفونه بمظلوميتهم، وأنهم ضعفاء مساكين وجوعى ومشرّدين، وأنهم إنما يلتمسون منه كل العطف والبركة.
اقتصرت الدعوات على البعض، وقصرت في حق البعض الآخر. ولو دُعي الجميع، لجاء إلى الاستقبال عدد وفير. غير أن نقص الدعوات، ما كان ليحول دون المزايدة في العاطفة. وهكذا كانت تنوب رسائل المعاتبة، حتى بات العاتبون والمعاتبون عددا جمّا.
في جميع المحطات التي نزل بها، وتوقف عندها وزارها، كنا نرى الحشود آتية إليه، تسلّم عليه، وترحّب به، على الرغم، من التباعد. كانوا ينتصرون على هذا التباعد، بالعاطفة المشبوبة، وكأنهم يقولون له، نحن معكم، لا تباعد بيننا، ولا فرقة، ولا إبتعاد.
كنا نرى الطوائف كلها مصطفة لاستقباله، وفي طليعتها، رؤساء الطوائف أنفسهم. وكنا نرى وفود الأحزاب أو ما يمثلها، تشارك في حفلات الاستقبال السخية. وكنا نرى الدولة كلها، وعلى جميع المستويات الرئاسية والنيابية والوزارية والإدارية، تفزع إليه بالتحيات، وكانت قلوبهم جميعا، تفاح التحيات له.
مضت زيارة قداسة البابا ليو الرابع عشر، كزيارات الباباوات السابقين، الذين تشرّف لبنان واللبنانيون بهم، غير أن هذه الزيارة كان لها وقع الرجاء في نفوسهم، بأن يخرجوا من عمق الحرب إلى برّ السلام. فهل تتحقق أمانيهم، ويعمّ السلام المنشود بلادهم؟ ربما بلغ التفاؤل عندهم مبلغه، لأن دول المنطقة كلها، كما شعوبها، قد أهلكتها وأضنتها وبرحتها الحروب!