بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 نيسان 2026 12:05ص مشاعر الغضب

حجم الخط
تحت وطأة التفجير والنزوح، تفجّرت مشاعر الغضب عند اللبنانيين. كان ذلك ثقيلا عليهم للغاية، فالذين تركوا قراهم ومدنهم خلفهم، لقمة سائغة، للأعداء وللصوص والشذاذ، وباتوا في خيام التشرّد، وفي مراكز الإيواء، أو حتى في الدور التي نزلوا فيها، أو في الفنادق التي ذهبوا إليها، إنما يعيشون حالا من الإضطراب، لا يقاس، وقد فقدوا مدخراتهم وحاجاتهم المخبأة في بيوتهم، وغادروا على عجل، خوفا من إغارة مفاجئة.
كيف لنا أن نتصوّر مشاعر من كانوا ينعمون بدورهم وبأموالهم وبأجوائهم، وقد خسروا ذلك كله فجأة، ولم تعد يدهم بالكاد، تطال إلّا وجبة جاهزة، من «مراكز الرحمة» لتوزيع الوجبات الغذائية، وبعض فرش الأسفنج والأغطية، وحبات الخضار وأصابع الشوكولا وعلب الشموع.. وغيرها وغيرها، من الجمعيات الإنسانية والأندية الرياضية، التي باتت تُعنى، بالغذاء وبالإيواء.
كيف نتصوّر حياة الأسر والعائلات التي افترشت الأرض والتحفت السماء في عز البرد وتحت أمطار وعواصف الشتاء في الحدائق العامة، وعلى الكورنيش البحري، وفي الأبنية الخربة والمهجورة والمتساقطة، تلك التي صنّفت اللهدم، فخسرت كل صفات المساكن المؤهلة، حيث الماء بالصنابير، وحيث الإنارة بالشموع وبالفوانيس، ولمبات فقيرة، من خط كهرباء.
كيف حال آلاف الأسر، وهي تقطع وقتها في إنتظار العودة، طال الغياب عن دورهم، وضاقت الخيمة عن حاجاتهم. ترى الأطفال والنساء والفتيان والفتيات، في العراء الموحش، ينظرون إلى قراهم ومنازلهم البعيدة، ويتشوّقون لليلة هادئة على فراشهم. تراهم يدمعون، كلما تذكّروا حياتهم السابقة، أمام دارتهم، وعلى شرفاتهم، وداخل حجراتهم وغرف الطعام والمغاسل والمطابخ، يستحمون ويبدّلون أثوابهم، ويخرجون من أبواب بيوتهم، يطلبون رزقهم، هنا وهناك وهنالك. وأما اليوم، فهم على باب االله، تعوزهم الحاجات، فلا يجدون مالا لشرائها، ويعوزهم الدفء والغسل والصرف الصحي، فلا يجدونه إلّا في الأحلام.
مشاعر من الغضب القاتل، تشتعل بها نفوس اللبنانيين، وهم يتشوّقون إلى رؤية منازلهم، يتسقطون أخبارها عن بُعد، يريدون أن يتثبتوا، بأعينهم وبأيديهم، أن خزانة الملابس لا تزال كما سالمة كما تركوها، وأن الصالة، لا تزال كما عهدوها، وأن أسرّتهم لم يعبث بها، وأن عفش البيت، لم تمتد إليه أيدي السراق واللصوص، ولم يتعرض بعد لغارة أو الضربة عن بُعد.
مشاهد اللبنانيين، وقد اغتنموا فرصتهم، وأسرعوا لرؤية قراهم من بعيد، مؤلمة للغاية. كيف نتصوّر حالهم، وهم يرون أعمدة الدخان تملأ سمائها، وتجثم فوقهم المسيّرات، تتوعّدهم وتنذرهم، وتبحث لهم بالرسائل، تأمرهم بمغادرة المكان، وإلّا تعرّضوا للنار، فيهرعون إلى سيارتهم ويخلعون أبوابها من شدّة القهر، ويطيرون بها يغتنمون العودة سالمين، إلى الخيام، وإلى دور الإيواء.
مشاعر الغضب وحّدت اللبنانيين فيما بينهم. شدّت بينهم أحزمة الأخوة، وثبتت القلوب على الوحدة الوطنية. فترى البلدات والقرى المضيفة، تسارع بالمؤونة، تقدّم ما تستطيع من الحاجات، لأن مشاعر الغضب واحدة. فترى الجمعيات الإنسانية والوطنية، وجمعيات الإغاثة، تحمل إليهم ما استطاعت، وتطمئن عليهم، وتقدّم لهم ما يعوزهم من دواء وطبابة.
لم يتأخّر الشباب اللبناني، عن المسارعة لمد يد العون لأهلهم الخائفين. جعلوا ذلك نصب أعينهم، منذ أخذت العائلات تتوجه إليهم وقلوبهم واجفة. فهرعوا لملاقاتهم، على الرحب والسعة، يسألونم كل يوم عما ينقصهم من ماء وزاد وفراش وأغطية وألبسة. يهدّئون من خواطرهم، ويحسنون إليهم، مثل أبناء جلدتهم، ويقولون لهم بالفم الملآن: إن الإنسان أخو الإنسان. فما بالكم ونحن وإياكم من بلد واحد ومن وطن واحد، وتجمعنا هوية واحدة!
مشاعر الغضب واحدة عند جميع اللبنانيين: مشاعر الوافدين، ممن أجبرهم العدو على مغادرة بيوتهم، بطريقة أو بأخرى، ومشاعر المضيفين ولو كانوا من طوائف وأديان أخرى، يتوقون جميعا أن يعود لبنان إلى صيفه، إلى هدوء المعهود، بلا سلاح ولا مسلحين، ويطمئنون لخروج الإحتلال من أرضهم، وتنزع عنهم بعد ذلك، تماما، مثلما تنزع من قاموس أجياله للمرة الأخيرة وإلى الأبد، صفة النزوح وصفة اللجوء.