بيروت - لبنان

اخر الأخبار

14 تشرين الثاني 2025 12:00ص مشهدية التحوّل الشامل

حجم الخط
الدعوة التي أطلقها فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، للتفاوض مع إسرائيل، إنما تأتي في سياقاتها الطبيعية. فلم يعد مقبولا عند رئيس البلاد، أن يرى المشهد نفسه يتكرر كل يوم، دون أن يحرك ساكنا، ودون أن يتحرك لمعالجته. مشهد الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بعد «إعلان وقف النار» منذ عام، ومعه وقف الأعمال العدائية، من الجانبين: الإسرائيلي والمقاومة. 
فإسرائيل لم تلتزم، منذ اليوم الأول بالبنود التي حملها، إعلان وقف النار. إذ إستمرت في اعتداءاتها اليومية المتكررة. تدخل إلى المناطق اللبنانية، فتعيث فسادا في بلداتها. تخرب ما تستطيع تخريبه، وتقتل من تريد قتله، وتحتل ما تريد إحتلاله من التلال والمواقع ذات الأهمية الإستراتيجية، وتعبث بالخط الأزرق والحدود البحرية، إلى جانب تنفيذ أطماعها التاريخية في حقول النفط والماء وسائر الموارد التي تصل إليها يدها، أو تقع ضمن دائرة إهتمامها، لتنمية اقتصادها، وتوسيع نفوذها وتمددها، تحقيقا لغاياتها وأغراضها، والتي لا يمكن التكهن في حدودها، لا اليوم ولا غدا...
استعملت إسرائيل حرب الإسناد «شمّاعة»، لتُغير كل يوم على الجنوب والبقاع وبيروت، ولتضرب المواقع والبلدات التي تريد في لبنان، بصورة شبه يومية، دون أن تلقى مواجهة، ودون أن تجد من يسمعها ولو تنديدا، من القوى ذات الفاعلية. فهي بالتالي تقود حرب إستنزاف شاملة هذه المرة، بلا مواجهة، لأنها استطاعت أن تنال عطف هذه القوى، بحجة الدفاع عن نفسها، وهي بحق، حجة واهية.
وجد فخامة الرئيس جوزاف عون، أن الحرب كما الوقت؛ كلاهما يداهم لبنان، في ظل المتغيّرات الحاصلة في المنطقة وفي الإقليم، وفي العالم. وأنه ما يمكن أن يناله اليوم، قد يمنع عنه غدا. وأنه لا بد من رفع الصوت، لإزالة هذا الكابوس الذي يجثم على صدور اللبنانيين بعامة، وعلى صدور أهلنا في الجنوب بخاصة. وهم يرون بأمّ العين، كيف تداهم المسيّرات الإسرائيلية البلدات وتقتل الناس في دورهم وفي مأمنهم، وكذلك على الطرقات. فأتت دعوته للتفاوض، لأنها الدعوة اليتيمة المتبقية، أمام أهوال ما يشهده لبنان يوميا. وهو لذلك، يواصل سعيه ليلا ونهارا، ليحصل حولها إجماع وطني شامل من كل القوى والمرجعيات اللبنانية، وخصوصا من قبل الثنائي الشيعي والبيئة الحاضنة للمقاومة، قبل الذهاب إلى الصيغة النهائية، في مجلس النواب وفي السراي الحكومي.
كثيرون من اللبنانيين والمهتمين بالشأن اللبناني يرون في مبادرة الرئيس جوزاف عون، مبادرة وطنية، يحتاجها لبنان اليوم قبل الغد، بعدما مضت إسرائيل في تهجير أهل الجنوب، وبعدما طفح الكيل معها، بحيث لم تعد تقبل بجني محصول الزيتون، ولا بزراعة الحقول والكروم، ولا بإعادة الإعمار، ولا بالتأمين على الدور للبلدية والمراكز الحكومية، وكذلك المدارس والمشافي والمستوصفات.. حتى أن الأندية الرياضية والإجتماعية، باتت هدفا من أهدافها الشنيعة، تطالها المسيّرات والصواريخ، وتمنع فيها أي نوع من أنواع النشاطات المدنية.
وبالإضافة إلى متابعة إسرائيل أهدافها العدوانية دون توقف، ودون ملل أو كلل، نرى الموفدين الرسميين إلى لبنان، يعتلون المنابر، ويحمّلون لبنان المسؤولية التاريخية عن سكوته وإنصياعه لما يمسّ بسيادته، وانه دولة فاشلة، وأنه لا بد له من «عمل شيء ما»، إثباتا لسيادته على أرضه، وبأن الدولة وحدها، هي المسؤولة، ويجب ألا تتخلّى عن مسؤولياتها في أحلك الظروف التي تمرّ بها البلاد، وأنه.. وأنه.. وأنه...
راجع الرئيس جوزاف عون، جميع أوراق الدولة، وهو لا يزال ينصرف إليها ويتفرغ لها، ولا يدخر جهدا في سبيل التواصل مع مراكز القوى في الإقليم وخارجه، حتى يحمي لبنان من مواصلة الاعتداءات الإسرائيلية عليه، فيتصل بعواصم القرار في العالم، لعلّه يجد لدعوته أذنا صاغية.
الدعوة إلى المفاوضات مع إسرائيل، هي آخر الأوراق التي يمكن إستعمالها، إذا ما تمّت الموافقة عليها، من قبل المقاومة. فهل ستبصر النور، وتكفّ إسرائيل عن المشاغبة عليها؟ وتلاقي مشهد التحوّل الشامل في المنطقة، فيكون لبنان جزءا من الحل في المنطقة، ولا يند عنه؟!...
 تلك هي المسألة...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية