بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 تشرين الثاني 2025 12:00ص معركة واشنطن وتل أبيب الخاسرة: تغيير عقيدة الجيش اللبناني

حجم الخط
د. محمد دوغان

تشهد الساحة اللبنانية في الأسابيع الأخيرة تصعيداً ملحوظاً في الخطاب الأميركي والإسرائيلي تجاه الجيش اللبناني وقيادته، بذريعة عدم تطبيق قرارات نزع سلاح المقاومة وعدم التصدي لحزب الله. لكنّ اللافت أنّ هذه الحملة الخارجية جاءت بنتيجة عكسية داخل لبنان، إذ أعادت تكريس الالتفاف الشعبي حول الجيش وقائده، ووسّعت الهوّة بين الرؤية الغربية للمؤسسة العسكرية وبين موقع الجيش داخل المجتمع اللبناني وتاريخه السياسي - الأمني.
خرج الجيش اللبناني من الحرب الأهلية وهو مؤسسة منهكة ومعزولة عن كثير من مكوّنات المجتمع، نتيجة انقسامه خلال الحرب وتحوّله إلى ضحية للصراع الطائفي. لذلك، فإن أهم ما سعت إليه إعادة بناء الجيش بعد اتفاق الطائف لم يكن العقيدة القتالية التقليدية، بل عقيدة الحفاظ على الوحدة الوطنية ومنع العودة إلى الحرب.
هذا التوجّه أعاد تشكيل الجيش كقوة ضابطة للاستقرار الداخلي، لا كقوة هجومية أو ذات هدف إقليمي. بمعنى آخر، جعلته الظروف والتوازنات الداخلية جيشاً ذا وظيفة سياسية - اجتماعية بقدر ما هو مؤسسة أمنية.
منذ التسعينيات، تشكّلت معادلة لبنانية خاصة: الجيش يثبّت الأمن الداخلي، والمقاومة تتولّى مواجهة الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
هذا التوزيع للأدوار، وإن كان مثار جدل داخلي، إلّا أنه استند إلى معطيات موضوعية:
• تفوّق عسكري إسرائيلي كبير يصعب على الجيش اللبناني - المقيّد تسليحاً - مواجهته.
• رفض داخلي واسع لمهمة تحويل الجيش إلى قوة صدام مباشر مع المقاومة.
• تسليم رسمي بدور المقاومة في تحرير الجنوب ثم في ردع الاعتداءات.
وبذلك، نشأت عقيدة غير معلنة لكنها فاعلة: الجيش يحمي الداخل، والمقاومة تتكفّل بمواجهة إسرائيل، مع آليات تنسيق ميداني وسياسي أحياناً.
منذ سنوات، تعمل واشنطن وتل أبيب على تغيير هذه المعادلة عبر الضغط على الجيش لإعادة تعريف دوره بحيث يصبح في مواجهة المقاومة، لا في موقع التعاون الضمني معها.
هذه الضغوط تصاعدت بعد حرب غزة وما رافقها من اشتباكات على الحدود الجنوبية، إذ رأت واشنطن وتل أبيب أن الجيش اللبناني لا يمنع حزب الله من التمركز أو إطلاق النار. لذلك جاءت السجالات الأخيرة لتطالب الجيش بما يشبه مهمة مستحيلة:
• نزع سلاح حزب الله بالقوة.
• فرض خطوط انتشار جديدة في الجنوب.
• تعليق أي شكل من أشكال التنسيق أو غض النظر عن نشاط المقاومة.
لكن هذا الطرح يتجاهل بالكامل طبيعة النظام اللبناني وتوازناته، كما يتجاهل أنّ أي صدام بين الجيش والمقاومة يعني عملياً تفجير البلاد من الداخل، وهو ما يدركه القادة العسكريون والطبقة السياسية، وكذلك المجتمع الدولي نفسه.
الحملة الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة أثّرت في الوجدان الوطني اللبناني بطريقة معاكسة لما أرادته الجهات المهاجمة.
فقد أعادت إلى الواجهة معادلة واضحة:
عندما يُستهدف الجيش من الخارج، يتوحّد اللبنانيون حوله، لأنّ المؤسسة العسكرية هي آخر ما تبقّى لهم كرمز مشترك.
هذا الالتفاف نابع من عوامل عميقة:
• إدراك اللبنانيين أنّ الضغط على الجيش يهدف إلى تحويله إلى طرف داخلي، ما يهدّد السلم الأهلي.
• الخوف من تفكيك آخر مؤسسة رسمية ما زالت متماسكة نسبياً.
• اقتناع جزء كبير من اللبنانيين بأن الجيش لا يمكنه - ولا يجب عليه - خوض حرب داخلية من أجل تنفيذ مطالب خارجية.
ما تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فعله اليوم هو إعادة هندسة دور الجيش اللبناني وفقاً لأولويات أمنية ليست لبنانية.
لكن عقيدة الجيش - منذ نهاية الحرب الأهلية - تقوم على ثلاثة مرتكزات ثابتة:
• الحفاظ على الوحدة الوطنية.
• منع الانقسام الداخلي بأي ثمن.
• عدم الانخراط في مواجهة مع المقاومة قد تطيح بالاستقرار الوطني.
لذلك، فإن أي محاولة لفرض عقيدة جديدة على الجيش ستفشل، لأنها تتجاهل طبيعة لبنان نفسه، لا طبيعة الجيش فقط.
وتبقى المفارقة أنّ الضغوط الخارجية، بدل أن تُضعف الجيش أو قيادته، أعادت التأكيد على موقع المؤسسة العسكرية كركيزة للاستقرار، وعلى أنّ اللبنانيين - رغم انقسامهم السياسي - ما زالوا قادرين على التوحّد خلف جيشهم عندما يشعرون بأنّه مُستهدف من الخارج.