إيلي فودى
يوغاف ألباز
عقدت الجولة الثانية من المفاوضات بين إسرائيل ولبنان في واشنطن الخميس الماضي بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية. إن بدء المفاوضات مع لبنان، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، يشكّلان نتيجتين غير متوقعتين للحرب، وتتيحان لإسرائيل فرصة سياسية فريدة.
منذ سنة 1976، وحتى سنة 2005، كانت سوريا هي الطرف المسيطِر في لبنان، الذي اعتبره نظام البعث جزءاً من «سوريا الكبرى»؛ لذلك، كان واضحاً أن أي تسوية في لبنان لا يمكن أن تتم من دون اتفاق مسبق مع سوريا، فبعد انسحابها من لبنان، أصبح حزب الله، بدعم من إيران وسوريا، القوة المؤثرة والمهيمِنة في الحياة السياسية الطائفية، لكن صعود نظام أحمد الشرع في سوريا من جهة، وضعف حزب الله نتيجة الحرب من جهة أُخرى، أدّيا إلى فصل المسارين، بحيث بات كلٌّ منهما يوفّر فرصة سياسية مستقلة لإسرائيل.
العقبات أمام اتفاق تاريخي مع لبنان
أدّت الأحداث في لبنان إلى قرارات استثنائية ضد حزب الله، مثل: حظر نشاط الحرس الثوري الإيراني؛ وإلغاء إعفاء الإيرانيين من التأشيرات وطرد السفير الإيراني؛ وحظر أي نشاط عسكري لجهة غير رسمية (في إشارة واضحة إلى حزب الله)، لكن حتى الآن، لم يتم تنفيذ هذه الخطوات. وفي الوقت عينه، تظهر آثار الحرب في تصاعُد خطاب داخلي معادٍ لحزب الله، ليس فقط بين المسيحيين وبعض السنّة، بل أيضاً داخل الطائفة الشيعية نفسها، ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة:
1. أزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية عميقة بدأت منذ جائحة كورونا، مروراً بانفجار مرفأ بيروت (2020)، وصولاً إلى الحرب الأخيرة.
2. نزوح أكثر من مليون شخص، كثيرون منهم من الشيعة في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت.
3. تصاعُد الانتقادات لحزب الله.
لقد أنشأ حزب الله فعلياً «دولة داخل الدولة»، من خلال مؤسسات اقتصادية واجتماعية وتعليمية بديلة من مؤسسات الدولة، كما أن رواتب مقاتليه (نحو 1500 دولار شهرياً) كانت أعلى كثيراً من رواتب ضباط الجيش اللبناني، لكن اليوم، لم يعُد قادراً على دفع هذه الرواتب، أو تعويض أنصاره.
من غير المفاجئ أن يعارض حزب الله بشدة أي تسوية مع إسرائيل؛ لقد حذّر أحد نوابه من أن لقاء الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي يمكن أن يكلّف الأول منصبه، مذكِّراً بمصير أنور السادات الذي اغتيل بعد توقيع السلام مع إسرائيل؛ كذلك شدد مسؤولون آخرون في الحزب على التمسك بخيار «المقاومة»، مع تلميحات إلى تهديدات واضحة، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان ذكريات الحرب الأهلية اللبنانية. هذه المخاوف تجعل كثيرين من اللبنانيين يتساءلون عمّا إذا كان السلام مع إسرائيل يستحق المخاطرة.
حالياً، يمرّ حزب الله بإحدى أضعف مراحله، ويُتّهم بجرّ لبنان إلى دمار جديد، وبأنه يخدم مصالح إيرانية أكثر منها لبنانية؛ ومع ذلك، فإن الجيش اللبناني ضعيف ولا يستطيع فرض قرارات الدولة عليه، وهناك خشية من تفكُّك مؤسسات الدولة. تعتمد الفرصة السياسية في لبنان على هذا التوازن الهش. وإذا كانت إسرائيل تعاونت سابقاً مع المسيحيين الموارنة، فعليها اليوم التواصل أيضاً مع السنّة والدروز، وحتى مع أطراف شيعية معارِضة للحزب.
لكن أي اتفاق سيواجه ثلاث عقبات رئيسية: كيفية نزع سلاح حزب الله وتفكيك مؤسساته؛ كيفية منع معارضين داخليين من إفشال الاتفاق؛ كيفية ضمان الأمن على الحدود الشمالية في حال انسحبت إسرائيل.
الساحة السورية: فرصة أُخرى
يرى كثيرون في سوريا أن أحمد الشرع «جهادي ببدلة»، ولا يثقون بتصريحاته المعتدلة، ومع ذلك، لم يقُم بأي تصعيد عسكري، على الرغم من تحركات إسرائيل في الجولان، وعلى الرغم من أن الاستقرار لم يتحقق بالكامل، وبشكل خاص مع الأكراد والدروز، لكن الشرع بدأ يكتسب شرعية داخلية وخارجية؛ لذلك، يجب منحه فرصة. إن المحادثات غير المباشرة بين الطرفين، بوساطة أميركية، جرت خلال سنة 2025، لكنها توقفت لأسباب غير واضحة، ويبدو كأن لها علاقة بدعم إسرائيل للدروز في منطقة السويداء بعد حوادث العنف التي ارتكبتها جهات تابعة للنظام.
• مؤخراً، أعلن الشرع أن سورية تسعى لإبرام اتفاق أمني مع إسرائيل يعيد الوضع إلى خطوط الفصل ويضمن الأمن للطرفين، وربما يفتح الباب لمفاوضات بشأن قضية هضبة الجولان.
المشكلة الأساسية: انعدام الثقة
إن المشكلة بين إسرائيل وسوريا ليست عسكرية فقط، بل نفسية أيضاً، وتتعلق بانعدام الثقة. كان هناك وضع مشابه بين إسرائيل ومصر، لكن الاتفاقات المرحلية، بعد سنة 1973، أدت في النهاية إلى السلام والانسحاب الإسرائيلي.
الخلاصة
أتاحت الإنجازات العسكرية والتطورات غير المتوقعة منذ 7 أكتوبر الفرصة لتحويل التهديدات الآتية من الشمال إلى فرصة سياسية.
لكن التوقيت حاسم: إن ضُعف سورية ولبنان يفتح نافذة للتسوية، لكن هذه النافذة يمكن أن تُغلق إذا استعادت القوى المعارِضة قوتها؛ لذلك، على إسرائيل التحرك بسرعة، وبجرأة دبلوماسية، لأن الحوار والوساطة الموثوق بهما فقط يمكن أن يحوّلا هذه الفرصة إلى واقع.
المصدر: قناة N12
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية