سحر ضو
في عام 2026، لم يعد التطبيع مع إسرائيل مجرّد خيار دبلوماسي قابل للنقاش أو اختلاف في التقدير السياسي. ما يجري اليوم يتجاوز العلاقات الثنائية ليشكّل عملية إعادة هندسة كاملة للمنطقة، تُعاد فيها صياغة التوازنات الأمنية والسياسية تحت عنوان «العلاقات الطبيعية»، فيما تتحوّل بعض الدول إلى أطراف فاعلة داخل منظومة أمنية تقودها إسرائيل، وتُدفع دول أخرى، وفي مقدّمها لبنان، إلى موقع الضعف والعزلة والضغط المنهجي.
الحديث عن التطبيع بوصفه «قراراً سيادياً» لم يعد كافياً لتبرير نتائجه. فمفهوم السيادة، في السياسة الواقعية، لا يقتصر على حق اتخاذ القرار، بل يمتد إلى مسؤولية هذا القرار عن أثره في المحيط الإقليمي. وعندما يؤدي خيار دولة ما إلى اختراقات أمنية، أو إلى تغيير في موازين الردع، أو إلى تطويق جيرانها سياسياً واستخباراتياً، فإننا نكون أمام فعل سياسي ذي طابع عدائي غير مباشر، مهما غُلّف بلغة دبلوماسية هادئة أو مصالح اقتصادية.
التطبيع في صيغته الراهنة لم يعد يقتصر على فتح سفارات وتبادل سفراء. إنه انتقال واضح من السياسة إلى الأمن، ومن الدبلوماسية إلى الاستخبارات. تعاون سيبراني، تبادل معلومات، تنسيق أمني، وربط شبكات مراقبة وتحليل بيانات. في هذه المرحلة، لا تعود الدولة المُطبِّعة شريكاً عادياً، بل تتحوّل عملياً إلى نقطة ارتكاز أمنية متقدمة داخل الإقليم، وهو ما يفسّر حجم القلق الذي يثيره هذا المسار لدى الدول غير المنخرطة فيه.
في أدبيات العلاقات الدولية، يُعرف هذا الواقع بـ«مأزق الأمن»، حين تعتقد دولة أنها تعزز أمنها من خلال التحالف مع قوة متفوّقة، لكنها في المقابل تضعف أمن جيرانها وتدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار. ما يُقدَّم على أنه سلام، ينتج في الواقع هشاشة أوسع، ويمنح إسرائيل هامشاً أكبر للتحرك العسكري في ظل غياب ردع إقليمي فعلي.
التجربة التاريخية حاضرة. كامب ديفيد شكّلت نموذجاً لما سُمّي «السلام الاستراتيجي»، حيث أُخرج الصراع من إطاره العربي الشامل مقابل إنهاء حالة الحرب بين دولتين. بعد عقود، لم يتوقف الاحتلال، ولم تُحلّ القضية الفلسطينية، ولم يتحقق سلام شامل، بل انتقل الصراع إلى أشكال أكثر تعقيداً. اليوم، تتكرر التجربة نفسها في سياق إقليمي أشد هشاشة وتفككاً.
من هذا المنظور، يكتسب فكر فرانز فانون راهنيته. فالاستعمار، كما رآه، ليس احتلال أرض فحسب، بل منظومة متكاملة لإعادة إنتاج السيطرة بأدوات سياسية ونفسية واقتصادية. وعندما تُطبّع العلاقات مع كيان يمارس احتلالاً يومياً، يصبح التطبيع أداة لإعادة تأهيل هذا الاحتلال، وتحويله من قضية صراع إلى أمر واقع قابل للإدارة.
لبنان يقف في صلب هذه المعادلة. دولة مأزومة اقتصادياً، محاصرة سياسياً، وملاصقة لعدو لا يزال يحتل أرضاً لبنانية ويخرق السيادة بشكل يومي. في مناخ التطبيع الإقليمي، يتحوّل لبنان إلى ورقة ضغط ومادة تفاوضية: إما القبول بشروط سياسية وأمنية مفروضة، أو مواجهة عزلة خانقة تُستخدم كوسيلة ضغط لا كنتيجة جانبية.
الخلاصة أن التطبيع في عام 2026 لم يعد مسألة بروتوكولية أو خياراً دبلوماسياً معزولاً، بل مساراً يعيد ترتيب المنطقة وفق مصلحة إسرائيل، على حساب أمن الجيران وحقوق الشعوب. والسؤال المطروح اليوم ليس من يطبّع، بل من سيدفع الثمن عندما تتحوّل الدبلوماسية إلى أداة ضغط، وتتحوّل بعض الدول إلى بوابات مفتوحة أمام العدو.