بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 كانون الأول 2025 12:00ص هل فعلاً «إسرائيل» تتقدّم؟ (1/2)

حجم الخط
د . بلال اللقيس

ناقشنا في مقالات سابقة مفهوم «النصر والهزيمة» والحاجة لتعميق الفهم له بعيدا عن تبسيطه وعن فرض تفسير آحادي وخطي له كالذي تتبنّاه المدرسة الواقعية، كما ناقشنا ان المفهوم انتقل من النصر العسكري التقليدي إلى إفقاد العدو التوازن إلى كسر إرادة العدو ولم يتوقف عنده بل اتجهت المدارس الاستراتيجية إلى ان النصر والهزيمة يرتبط بمن ينجح في إقناع الناس بسرديته وفكرته ومشروعيتها. ونوّهنا في ما سبق للعلاقة بين الخلفية والمنظور الذي ننظر من خلاله وبين الموضوع، فاختلاف المناظير كما في مدارس العلاقات الدولية يؤدي إلى اختلافات في فهم وتفسير الواقع وموضوعاته (الحرب نموذجا) فضلا عن تنبؤ المستقبل. في هذا المقال نحاول أن نقارب مسألة «هل إسرائيل انتصرت؟» من خلال تعميق النقاش أو بنقاشات مضافة عما سبق. إنه من البداهة والمسلّمات ان حقيقة «النصر والهزيمة» تجد تمظهرها في الكشف عن التقدم والتراجع عند كل من طرفي الصراع، وليس غائبا انّ التقدم والتراجع يحتاجان لمعيار ووجهة. خذْ مثلا ان رجلا في حجرة يصعد على سلم بينما الحجرة بكلها تنزل وتهبط أو أن احدا ما يفترض انه يصعد لكن علائقه ووشائجه التي صاغت بنيانه تتمزق وتتفكك، ومثلهما من الأمثلة التقريبية الكثير. انّ زوجية «التقدم - التراجع» لا يمكن الحديث عنها إلّا داخل منظومة لها وجهة ومعيار ومؤشرات ثابتة فهي ترتبط بالوضعية العامة لمجمل المنظومة وعلاقتها بالمنظومات الأخرى وليس فقط باللاعبين المباشرين الذين يخوضون الصراع أو ببعض لاعبيها، فعالمنا اليوم صار متوالجا ومنظوماته شبكية، فما يسمّى بدولة «إسرائيل» هي تعبير عن هذه التقاطعات الشبكية لمنظومة الهيمنة العالمية ومنها النظام الدولي ومظهرها الأبرز وهي ذاك التكثيف الشديد لتوازناته وقيمه ودوره. آنّه عندما تكون منظومة ما مستقرة وثابته ويقع صراعا عسكريا بين بعض فواعلها، لا يصعب كثيرا تحديد المتقدم والمتراجع لان ثبات المنظومة الكلية يسعفنا في التحليل والتقييم استنادا إلى معيار. حينها قد تقول هذا تقدّم بالمقارنة وذاك تراجع، أما إذا كانت المنظومة كلها في تحوّل ومجالاتها غير معيّرة فالتأثير فقد يحدث ربحا في مستوى وخسارة في مستوى آخر أو دائرة أخرى أو منظومة وقد يحدث ربحا في مجال أو مستوى وتراجع في أخرى. فما الحال لو كانت تلكم المنظومة في سيلان وتفتقد لتعريف ولمحددات نتاج عدم الرضى عن المكانة عند أطرافها وفواعلها وعدم اكتفائهم بفضاء المنظومة القائم، حينها سيصعب تحديد التقدم والتراجع ونسبة لماذا!. قد يتقدم طرف وتتراجع المنظومة الكلية وقد يتراجع طرف ويتقدم ثالث وقد تنفرط المنظومة كلها لتتولد منها منظومة أو منظومات وهندسات أخرى مختلفة كليا لجهة العلائق والتوازنات والصلات. إذا، ان تحديد التراجع والتقدم يرتبط بسياقات وبدرجة استقرار الفضاء أو المنظومة التي تحيط بالصراع كما يحتاج لمعيار أو ثابت أو ركائز معيّن. ولذلك نرى تقلّب في الأدوار لبعض الأنظمة ونرى كيف تتجه منظومة معينة لتذوب بينما تولد أخرى أو تتفرع أخريات من رحم الصراع بما يزيد من تعقيد المشهد. بالعودة إلى الكيان الصهيوني. فقد سعى منذ تأسيسه ليثبّت أصل وجوده ثم ليفرض مكانته من خلال عدة عوامل أو ركائز رافقت مساره وحصّنته. أولا؛ فهم طبيعة المنطقة التي تحيط بهم بدقّة وكيفية التعاطي معها، فهي - أي المنطقة - أيضا نتاج النظام الدولي وترتيباته وتقسيماته ويندر أن تجد من مِن قواه كانت مستقلة الإرادة (مع استثناءات قليلة سرعان ما تمّ إجهاضها) فإلى عقود تتالت كانت كل الدول العربية تدور في فلك أحد المعسكرين وتقدم الصراع البيني ومع شعوبها على الصراع مع إسرائيل ملتزمة بروح النظام الدولي وتوزيعه للمصالح بين الشرق والغرب وأجندة رعاته، وبالتالي كانت الدائرة العالمية رغم تناقضاتها لكنها ملتزمة بأمن الكيان ومستقبله مهما تباينت رؤاها كما انه لم يكن أي من العرب أو المسلمين يشكّل حاجة منافسة للغرب حينها. كما ان إسرائيل فهمت حينها ان لا تجمع جبهات عدة بوجهها في آن. ليس بسبب عسكري (ولو ان له موقعه في مشروعها وتحدّياته) لكن من باب عدم استجماع طاقة الأمة أو نصاب معقول منها في المواجهة، فاستغلّت تاريخيا فكرة الأقليات وجاراها بعض الأقليات في ذلك ثم الفتنة الطائفية بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران (أقرّ الرئيس العراقي السابق صدام حسين ان حربه كان خطأ كبيرا) ثم استطاعت أن تجرّ كتلة عربية وإسلامية لتضعها في مواجهة الخط المقاوم والخط الاخواني اللذين كانا يلتقيان ويفترقان ربطا بمحطات (تحتاج لورقة خاصة). إذا نجح الكيان في إدارة صراعه والعمل للتوسّع ان باختلاف التناقضات أو تسعير الاختلافات أو بصناعة «كل دولة وقطر» ينادي أنا أولا وآخرا واستفاد الكيان من الاختراقات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي أمّنها له الغرب في مجتمعاتنا. ثانيا، أدرك الكيان خصوصية أن يتموقع في دور وظيفي نشط حيوي قادر أن يضمن بل ويطور مصالح الغرب بالخصوص، فعظم بدوره هذا من قيمته بعيون الغرب أمنيا على وجه الخصوص. ثالثا، تمكّن من أن يوازن (ولو بحدود، ولو بالشكل) بين استقلال قراره بعيون مستوطنيه والخارج وبين تبعيته للغرب وأميركا بشكل خاص فكسب قدرة على المناورة وتوزيع الأدوار بينه وبين الغربيين والأميركيين في التعاطي مع قضايا المنطقة العربية وأنظمتها. رابعا، نجح في تأكيد تمايز هويته عن المحيط العربي الذي لم يكن يمتلك أي من مقومات القوة حينها وليس لديه ما يغري الغرب ولا أن يتحدّى الغرب، إذ كانت الشعوب منصاعة للأنظمة وكانت الأنظمة منشغلة بالانقلابات ولم يتحوّل عامل اليقظة للهيمنة وأبعادها عاملا أصيلا في ثقافتها، هنا نجح الكيان أن يعرّف نفسه كإمتداد ديمقراطي ليبرالي رأسمالي للغرب. خامسا، استطاع بالإفادة من سرديته حول المسالة الشرقية ومعاداة السامية التي كانت تشغله تكريس انه البوابة الملزمة للوصول الى الغرب «المتقدم» الذي احتاجه العرب والمسلمين في مرحلة معينة، فمن أراد من دول الإقليم أن يصل إلى عواصم الغرب وواشنطن عليه أن يمرّ بتل أبيب. سادسا، استطاع أن يناور أمنيا وأثبت لعقود ان لديه القدرة لتكييف المنطقة لصالحه باستخدام القوة للتفاوض أحيانا أو القوة لفرض الاستسلام على أنظمة عربية وإسلامية. لكن المتابع للمسار العام في العقدين الأخيرين والعامين الماضيين باعتبارهما جولة من ذرى الصراع الحاصل، وما تتجه إليه مسارات واتجاهات الإقليم والعالم يجد دون كثير عناء ان تبدّلات جوهرية تحدث وتتسارع كانت هي حتى الأمس الركائز وشبكة الأمان التي قام عليها الكيان واستمر:
أولا ان إسرائيل صارت كيانا تابعا بالكامل للإدارة الأميركية في صغير الأمور وكبيرها، وفقدت حتى الهوامش.
ظهر انها عاجزة عن فتح حرب لأسابيع قليلة دون توجيه ومتابعة ودعم غربي مفتوح بل ومواكبة سياسية تفصيلية فإسرائيل بذاتها لا تستطيع أن تعطف أي إنجاز أمني لها إلى معطى سياسي أو استراتيجي ولا تستطيع أن تتوسع أكثر من حدود معينة فبالنهاية هي دولة متشاكسة ومضطربة ذاتيا باعتبارات كثيرة، لذلك في لحظة معينة بادرت الإدارة الأميركية التدخّل للحدّ من الأثر أي التداعيات التي خلفها الإخفاق الإسرائيلي على مصالح أميركا وعلى سياساتها؛ لقد كشفت الحرب حدود القوة الإسرائيلية وبالآن ذاته أعادت أميركا لمسرح طالما تجنّبته أي الغرق مجدّدا في منطقة غرب آسيا، إذ عاودت أميركا الانخراط والانزلاق مجدّدا في المنطقة على خلاف توجه الشارع الأميركي الحاسم لتجنّب الشرق الأوسط وبخلاف توصيات لجنة بيكر هاملتون الشهيرة وبخلاف مصالحها البعيدة.