د . بلال اللقيس
اتضح ان إسرائيل غير قادرة أن تواجه تحديات المنطقة وأن تضطلع بدور محوري فيها، هذا ظهر بوضوح باستعانة الأميركي بحلفائه الآخرين في المنطقة بكل الملفات بدءا من ملف غزة مع ما يقتضيه ذلك من ضرورة تنظيم الأميركي التنافسات والمشاكسات بين مصالح حلفائه وتحسين نفوذهم ( تركيا مصر السعودية وإسرائيل) ما يعني انه مهما حاولت إسرائيل وادّعت واستخدمت القوة وأفرطت في ذلك ودعِمت من الغرب لكنها تبقى قاصرة عن القيام بادوار سياسية في المنطقة فضلا أن تكون صاحبة النفوذ الأول في المنطقة. وهذا ما أدركه الغرب جيدا وأدركته شعوب المنطقة والعالم بأسره .
ان تغيّرا وتزحزحا مهما يحدث اليوم، لقد توزعت قوى المنطقة بين معاد لأميركا كقوى المقاومة وعمقهم الاستراتيجي إيران التي ما لبثت ان شرعت في تعريف مصادر قوتها واستكشاف فضاءات إضافية لعملها دون أن تتنازل عن أي من أهدافها الوطنية والإنسانية، وبين حلفاء أميركا أو التابعين لها، وبين الصنف الثالث أو ما يسمّى أصدقائها. الجانب الأهم الذي يُبنى عليه في البانوراما الجديدة للمنطقة هو ان أعداء أميركا صمدوا بعد أن استفرغ عدوهم ذروة قوته في ساعة ذهبية وفّرها المجتمع الدولي له ففشل في إسقاطهم وإبعادهم عن الطاولة رغم بعض التراجعات التي اصابتهم لا بل ان «إسرائيل» انكشفت أمام إيران أكثر من أي وقت مضى واتضح انها عاجزة عن السير بحرب كما كانت دعايتهم قبل جولتها الأخيرة، لمس الكيان بالمباشر انّ إيران قادرة في أي لحظة أن تكون تهديدا وجوديا له وان أميركا لن تكون في كل حين جاهزة للانخراط في حرب كبرى من أجله، فليس مضمونا كيف سيفكر ترامب وكيف سيتعاطى مع المنطقة وماذا عن الإدارات الأميركية المقبلة؛ ويكفي مؤشر إيقاف حرب غزة والطريقة التي تمت إقلاقا لإسرائيل؛ فلم يعد مطلوبا من هذا التجاه المقاوم إلّا مزيدا من الثبات واحتواء الضغوط لإفشال بقية المحاولات والاستفادة من هذه المرحلة المختلطة والمتأرجحة في بنية المنطقة وتشاكساتها لتعديل المسار في لحظة مؤاتية يجب تنضيج الظروف لها ، فلا بأس أن تجري إسرائيل وبقية حلفاء وأصدقاء أميركا محاولة تقسيم النفوذ ان استطاعوا لذلك سبيلا!!
ان حلفاء أميركا وحتى أصدقائها في الإقليم تراهم جميعهم تجاوزوا إسرائيل وأقاموا علاقاتهم المباشرة بالبيت الأبيض دون المرور بإسرائيل (مصر، قطر، السعودية، تركيا). فعكسوا حقيقة مهمة أن إسرائيل باقصى حد يمكن أن تكون لاعبا بحدود معينة في المنطقة ليس أكثر ولا كما تدّعي أو تروّج لنفسها!. ولا شك ان هذا يثير قلق إسرائيل لا سيما ان الهوة بين رؤية إسرائيل ومصالح هذه الدول تصل إلى حد التناقض أحيانا وليس من السهل ترتيبها ولا تنظيمها، كما ان بعضهم هو حاجة لأميركا استراتيجيا وحاجة اقتصاديا. لقد رأينا كيف ان حكومة السعودية لم تكن بوارد تهديد مستقبلها السياسي بأن تتنازل عن ولو إعلاميا عن حل الدولتين وتعرّض أمنها للخطر بالتحاقها بما يسمّى السلام الإبراهيمي بل سعت للحفاظ على رؤيتها للمبادرة العربية أنها الأساس ولو شكلا، وليست مصر بوارد التنازل عن أمنها من أجل أمن إسرائيل وتقبل تهجير أهل غزة، أما تركيا التي ترى فرصتها التاريخية للتوسّع تلمس انها أصبحت في غزة اليوم بعد دمشق وهي أيضا حاجة ناتوية (أي للناتو) وتشكّل اتجاها إسلاميا مقبولا لشريحة من المسلمين وحاجة أميركية.
لقد صارت إمكانية أميركا لهندسة الإقليم في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران وجبهة المقاومة بعد طوفان الأقصى صارت أكثر تعقيدا ان لم نقل مستحيلة مقارنة بمرحلة ما قبل طوفان الأقصى أو مقارنة ببداية التسعينات عندما كانت أميركا تتربع على عرش الأحادية وكانت إسرائيل بكامل حيويتها، ليس فقط لان إسرائيل عجزت عن تطويع خصومها عسكريا فقط بل لأن أميركا أيضا باتت قدرتها على توليد السياسات في تراجع حاد وتحدياتها الداخلية تفوق تلك الخارجية، فلا يمكن لأحد في عالم اليوم أن يثق بان أميركا تمتلك رؤية سياسية متماسكة يمكن الاعتماد عليها على المدى الطويل، ومع فرض امتلاكها رؤية فلا ضمان لمصداقيتها ناهيك عن قدرتها الداخلية على الالتزام والفعل!! لذلك يفضّل أغلب الفاعلين في عالمنا التخفف من الأحلاف الجامدة لصالح تلكم المرنة، فحتى أقرب المقرّبين إلى أميركا أي الأوروبيين هم اليوم يعيشون قلق تسوية على أوكرانيا تلوح بعيدا عنهم بين روسيا وأميركا على حساب أمنهم وشرق أوروبا وأيضا قلق تسوية أميركية - صينية على حسابهم. وما يتهدّد الداخل الأميركي من تقلبات عميقة وبنيوية تجعل مسألة الرهان على ثبات سياستها الخارجية محل نظر. لذلك اتجهت كل دول العالم إلى نوع من التمايز و اعتماد الشراكات متعددة الأطراف.
ان اقدام إسرائيل لفتح كل الجبهات من فلسطين فلبنان فسوريا فاليمن فالعراق فإيران وضمنا قطر لتظهير قوتها حمل في طياته أثرا معاكسا، إذ لأول مرة في التاريخ تتحسس واقعا هذه القوى بضرورة تقاربها ولأول مرة يراكم الفعل الإسرائيلي غضبا عابرا عربيا وإسلاميا وإنسانيا، ويولّد نوع - ولو النسبي - من الضرورة لمجابهة التحدي الأميركي - الإسرائيلي إذ ظهر ان التهديد الإسرائيلي يلامس الوجودي لان الأميركي صنّف مجموع هذه القوى المقاومة منها والقريبة من فكرة المقاومة صنّفها ارهابية (آخر التصنيفات كانت لحركة الاخوان للمسلمين في غالبية دول الطوق) ما يعني ان تصنيفه للخير والشر وحربه شملت كل القوى المقاومة بالفعل أو المقاومة بالقوة أو ذات الصبغة العربية والإسلامية المقاومة، وهذا تحوّل جوهري في المنطقة إذا ما نجحت هذه القوى من بناء تكامل وتعاون وتوافقات استراتيجية يكسر سياق التباين والخصومة التي شكّلت أبرز عناصر الرحم الذي تقدمت به إسرائيل في مواجهة شعوبنا منذ التأسيس. وعليه، تقدمت «إسرائيل» على مقاومة غزة وعلى مقاومة لبنان في جوانب عسكرية وأمنية معينة لكنها رغم ذلك لا زالت عاجزة عن تحقيق أهدافها في مواجهتهما وكذلك في اليمن والعراق ناهيك عن إيران، وربما تحمل سوريا في أحشائها شيئا يقلق الكيان للمستقبل. ورغم ذلك فانّ فشلها في بلوغ أهدافها أتاح لتركيا أن تزاحمها النفوذ فتتقدم سياسيا إلى قلب فلسطين وأتاح لمصر تثبيت مكانتها كضرورة لا يمكن تجاوزها وللباكستان أن توسّع علاقاتها مع إيران نحو اتفاقات كبرى وأتاح للسعودية أن تحاور الأميركي على قضايا ومصالح مشتركة بمعزل عن إسرائيل وأن تعيد النظر بدورها من دور صراعي مع إيران إلى دور حواري بين إيران والغرب، وأتاح لإيران مزيدا من الغموض في سياساتها النووية والأمنية بل في اتجاهاتها الاستراتيجية المقبلة ووفّر لها فرصة لتعزيز تماسكها الداخلي ومشروعية نظامها السياسي وأتاح لليمن تمكين نفسه وتطوير قدراته أكثر في شبه الجزيرة العربية وفي البحر الأحمر، وأتاحت لقوى المقاومة تقييم الصراع من زاوية شاملة وأتاحت معرفة صحيحة للعالم لجوهر الكيان الصهيوني وحقيقته الشريرة وسبب استمراره، والأهم انها خلقت بيئة شعبية عارمة في المنطقة العربية والإسلامية تعزم للانتقام الكبير في سياق معركة الأجيال، وعرضّت حلفاء لها كالإمارات والبحرين لمخاطر مضافة نتيجة انخراطهم الأداتي في المشروع الإسرائيلي، بينما اتجه العراق لمزيد من إدراك المخاطر والشعور بالتهديد الوجودي فزخم موقفه بانحيازه الى أبنائه وعوامل قوته الذاتية كما أظهرت انتخاباته الأخيرة. فإسرائيل أعطِيت عامين كاملين من أنظمة العرب وأنظمة غالبية دول المسلمين لإخضاع المقاومة في غزة ولبنان لكنها بالنتيجة عجزت، ما زاد من تخلخل الاتجاهات العامة للبيئة الاقليمية وإمكانية أن يتوجه اللاعبون الرئيسيون فيها باتجاهات لا تبدو مضمونه وهذا ما أثّر وسيؤثر على مستقبل أمن الكيان الاستراتيجي. كما وقد فقدت إسرائيل مصداقيتها في زعمها بقدرتها على مواجهة إيران. اتضح انها لا تستطيع خوض صراع جديّ مع إيران وهذا نوع من الاعتراف الضمني ان أميركا هي الوحيدة القادرة على التعاطي حربا أو تفاوضا مع إيران، وان إيران تبقى المعضلة والتحدي الأكبر على إسرائيل وجوديا وعلى مشروع ومصالح أميركا.
في الخلاصة، البيئة الاقليمية وكذلك الدولية التي نعيشها المنطقة والعالم لم تعد أفضل لإسرائيل كما تروّج الأخيرة بل صارت أكثر صعوبة وتعقيدا وازدادت غموضا وضبابية، ولم تعد الآفاق واضحة الملامح بل مشوّشة ومضطربة، والسبب الرئيس والأول في ذلك انّ إسرائيل لم تستطع أن تحسم أي من معاركها مع قوى المقاومة بعد مرور عامين ولن تستطيع أن تحسّنها في المستقبل في حين انّ المنظومات التي ارتكزت إليها إسرائيل منذ نشأتها وشبكات الأمان الأولى تعيش اضطراباً وتخلخلات بنيوية ان في النظام الدولي أو الحضارة الغربية أو حتى في قلب كل مجتمع على حدة. وهذا أعطى هوامش لمنافسيها من أصدقاء أميركا وزاد من نفوذهم على حساب ما تمنّت هي وأرادت من محورية نفوذها في الإقليم. فتارة قد ترى إسرائيل نفسها انها أنجزت عسكريا فتفرح وطورا أخرى ترى نفسها انها تراجعت بالميزان الكلي للصراع وبالمكانة وازداد مستقبلها قتامة فتنقبض. لذلك نرى كيف تضطرب وتختلط تقديرات نخبها حين الحديث عن المستقبل إذ جلّهم يرونها تتراجع في قدرتها على المناورة ويزداد المستقبل بالنسبة لها غموضا... فالتهديدات القديمة لجبهة المقاومة لم تنتهِ بل تستعيد ذاتها بعد عِبَر ودروس عامين منصرمين، والديناميات الجديدة المنافسة في الإقليم والعالم تتوالد... بينما النظامين الإقليمي والعالمي اللذين رعيا الكيان يتغيّران.