محمد رشاد الحلبي
حكمت المحكمة «رومانسيًّا» على الجمهور العتيق بالحب المؤبّد مدى الألحان. فمن كنف «العقاب» الإرادي، تخرج كلمات وصور موسيقية لتستقرّ في ذاكرة أناسٍ، اعتادوا الأُنس على وقع صوت الفنان الذي اختار، بقرارٍ صادم، أن ينحاز لقضية اعتبرها محقّة حد الإنعزال. فاستعار النبرة العقائدية وصدح بكلمات وألحان غيّبته عن المسرح وألزمته في نفس «المطرح».
بين قرار القضاء وجواب الغياب، عاد «شاكر» مؤخراً ليسأل عن أحبابه الذين يحبونه بعد أن أتعبه الشوق وغلبه صراع الفراق. فقد أوقد في بواطننا مشاعر لم تفطن لماضٍ ملبّد بالذنوب المُعلّقة في خزانة العدلية، بل طافت بعيداً في السلطنة على موجة أغانٍ «ترنديّة» وفّرت للمستمعين مسكناً دافئاً في جوف الحنين. فإن فضل شاكر لا يزال قابعاً خلف «القضبان» غير المرئية، يطلق العنان لفكرة وكلمة ولحن يعيدوننا بومضة سريعة إلى ما قبل الوعكة الفنية التي ألمّت به، وأبقته على مسافة لا متناهية من جمهوره. وكأنه غلّف حنجرته بغطاء ألمنيوم كي تبقى صالحة للاستعمال عند الضرورة، دون أن يغطيها الغبار أو تفسدها «نسمة صيف رايحة تعدّي على روحه وحبيبه». فوسط كل ذلك، هل نلوم قلوبنا ونصوم عن تذوّق أعماله المغناطيسية؟ أم نشرع في تناول ما لذّ وطاب من سفرته الغنائية بعد انقطاعٍ طويل عنها؟
كل هذه الأسئلة تعود بنا إلى بدايات الاقتتال في سوريا عام 2012، حين أشعل صاحب «كيفك ع فراقي» مسرح مهرجان «موازين» في المغرب بنداءات لاذعة ضد الرئيس السوري المتنحّي بشار الأسد، ومن تلك المنصة إنطلقت رحلته مع التحوّل في مساره الفني. فقد ساق نفسه باتجاه المنازلة الدعويّة، ملتحقاً بجماعات قاتلت من قاتلته، وارتكبت ما ارتكبته تاركةً خلفها كائناً رومانسيًّا منزوع الحق بالظهور أو الغناء. ومنذ ذلك الحين، إنقسم الرأي العام اللبناني خصوصاً والعربي عموماً حول براءة «شاكر» من الأفعال الجرمية أو تورّطه فيها: فمنهم من ارتأى بأنه ظُلم، وآخرون اعتبروه مشاركاً في الإرتكابات ويجب أن يُحاكم.
فبين «لاء» الممتعضين من ظهوره، وولاء المستمتعين بإنتاجاته، تبقى الكلمة المفتاح للقضاء الذي يحقق في السرديات، يدقق في الإثباتات، ويصدر حكمه على مقام «الرست» أو «البيات». ومن لحظة كتابة هذه السطور وحتى يأخذ الحكم بالصدور، سيظل الفنان فضل شاكر يغني، وباقٍ في عينيه «أشواق وحكي». والسؤال الإشكالي هنا، لو كنت مكانه، هل تستسلم للسلطات وتخضع للقرار القضائي، أم تتوارى وتُطرب جمهورك بالصوت الدوائي؟