تحقيق نالسي جبرايل يونس
لقد احتلت تركيا مكانة خاصة في قلوب البابوات.
فقد زارها بولس السادس بعد ما يزيد قليلاً عن ٤ سنوات من انتخابه، والبابا يوحنا بولس الثاني بعد عام واحد من انتخابه، ولم تبتعد زيارة البابا بندكتس السادس عشر والبابا فرنسيس كثيراً عن تاريخ انتخابهما. فبالنظر إلى التاريخ، يبدو أن البابوات، بعد انتخابهم، يريدون على الفور أن يعانقوا ويقبِّلوا هذه الأرض.
واليوم، ينتظر الشعب التركي البابا لاوُن الرابع عشر.
وها إن خطوات البابا لاوُن الرابع عشر هي خطوات جديدة تُضاف إلى روح مجمع نيقية. على خطى البابا بولس السادس والبابا يوحنا بولس الثاني والبابا بندكتس السادس عشر والبابا فرنسيس، وكذلك البابا بندكتس الخامس عشر والبابا يوحنا الثالث والعشرون.
ويبدو واضحا وفق المحللين إنَّ البابوات يعانقون تركيا، الأرض التي ترتبط ارتباطاً وثيقًا بأصول الكنيسة وتاريخها. وبالتالي تُضاف خطوات البابوات إلى خطوات رسول الأمم، القديس بولس، الذي كان يهودياً من طرسوس، في تركيا اليوم. إن البابا لاوُن الرابع عشر، سيؤكد في أرض المجامع صلة التواصل بين الشرق والغرب...
أما مسيرة زيارة البابوات إلى تركيا فقد بدأت مع البابا بولس السادس وهو أول من قام بزيارة رسولية إلى تركيا. وجرت الزيارة التاريخية يومي ٢٥ و٢٦ تموز يوليو من عام ١٩٦٧، في أرض تشكل جسرًا بين أوروبا وآسيا. ورغم الزلزال الذي ضرب البلاد في ٢٢ تموز يوليو من ذلك العام، غصت الكنائس بالمؤمنين. فقد كانت أياماً عاد فيها الكاثوليك والمسيحيون الآخرون، الذين كانوا يقضون عطلاتهم، إلى إسطنبول وأفسس وسميرنا.
إحدى الصور الخالدة بعد هبوط الطائرة في مطار يشيلكوي - الذي سُمي لاحقاً عام ١٩٨٠ باسم أول رئيس تركي مصطفى كمال أتاتورك - هي صورة العناق الأخوي بين الحبر الأعظم والبطريرك المسكوني أثيناغوراس، اللذين كانا قد التقيا للمرة الأولى في القدس عام ١٩٦٤. وكتبت الحبر الأعظم انها الرغبة التي تُحفز إرادة راسخة لتستعيد فيه الكنيسة الغربية والكنيسة الشرقية شركتهما الكاملة".
وفي حفل الاستقبال، أكد بولس السادس، متوجهاً إلى رئيس الدولة آنذاك جودت سوناي، أن زيارته لتركيا هي أيضاً "شهادة على الصداقة والتقدير الذي تُكنّه الكنيسة الكاثوليكية للشعب التركي".
على خطى بولس السادس، زار البابا يوحنا بولس الثاني تركيا عام ١٩٧٩. وقال الحبر الأعظم البولندي عند مغادرته: "أتوجّه إلى هذه الأمة لمواصلة الجهد نحو وحدة جميع المسيحيين بالتزام متجدد، استناداً إلى أحد الأهداف الرئيسية للمجمع الفاتيكاني الثاني".
بدأ البابا فويتيوا حجه المسكوني في أنقرة. وقال للجماعة الكاثوليكية في تلك المدينة: "إنه لمن دواعي سروري العظيم، أنا خلف بطرس، أن أتوجه إليكم اليوم بنفس الكلمات التي وجهها القديس بطرس قبل تسعة عشر قرناً إلى المسيحيين الذين كانوا حينها، كما هو حالكم اليوم، أقلية صغيرة في هذه الأراضي". وقد سبق لقاءاته مع بطريرك القسطنطينية ديمتريوس والبطريرك الأرمني شنهورك كالوستيان، لقاؤه واحتضانه للجماعة الأرمنية الكاثوليكية في إسطنبول. وقد أشار إلى هذه الفئة من شعب الله بمهمة خاصة: "أنتم مدعوون أكثر من غيركم لكي تكونوا صناع الوحدة".
في عام ٢٠٠٦، زار البابا بندكتس السادس عشر تركيا، وأعرب في بداية زيارته الرسولية عن رغبته في استحضار ذكرى "الزيارات الخالدة" للبابوين بولس السادس ويوحنا بولس الثاني. وأضاف، مخاطباً السلك الدبلوماسي في أنقرة: "وكيف لا نتذكر أيضاً البابا بندكتس الخامس عشر، صانع السلام الذي لا يكلّ خلال الصراع العالمي الأول، والطوباوي يوحنا الثالث والعشرون، البابا صديق الأتراك"، الذي كان مندوباً رسولياً في تركيا ومدبراً رسولياً للنيابة اللاتينية في إسطنبول.
وفي ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٠٦، ترأس البابا بندكتس السادس عشر القداس الإلهي في المزار المريمي الوطني "مريم آنا إيفي" في أفسس، ودعا إلى السلام في الأرض المقدسة وللعالم أجمع. وفي ٣٠ تشرين الثاني نوفمبر ٢٠٠٦، يوم عيد القديس أندراوس الرسول، جرى اللقاء بين البابا بندكتس السادس عشر والبطريرك المسكوني برثلماوس الأول. وجاء في الإعلان المشترك: "نحن نشكر مؤلف كل خير، الذي يتيح لنا مرة أخرى، في الصلاة وتبادل الحديث، أن نُعرب عن فرحنا بشعورنا بالأخوَّة". كلمات تتشابك مع عناق البابا بولس السادس والبطريرك أثيناغوراس.
وخلال زيارته الرسولية إلى تركيا عام ٢٠١٤، أشاد البابا فرنسيس بجهود البلاد تجاه اللاجئين وأكد على دورها كـجسر بين القارات والشعوب. وشدد البابا الأرجنتيني على أن "تركيا، بحكم تاريخها وموقعها الجغرافي والأهمية التي تكتسيها في المنطقة، تقع عليها مسؤولية كبيرة: خياراتها ومثالها لهما قيمة خاصة ويمكن أن يكونا عوناً كبيراً في تعزيز التقاء الحضارات". وفي ٣٠ تشرين الثاني نوفمبر، وقّع البابا فرنسيس والبطريرك المسكوني برثلماوس الأول على الإعلان المشترك الذي عبّرا فيه عن نيتهما الصادقة والثابتة في تكثيف الجهود "لتعزيز الوحدة الكاملة بين جميع المسيحيين، وخاصة بين الكاثوليك والأرثوذكس".
أما اللقطة الأخيرة من رحلة البابا فرنسيس إلى تركيا هي العناقُ الدافئ الذي جمعه بالشبان اللاجئين. هؤلاء الشباب قدموا من تركيا، وسوريا، والعراق، ومختلف بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا. وقد أكَّد البابا الأرجنتيني على أنَّ محنتهم القاسية هذه "هي النتيجةُ المُحزنة للصراعات المُحتدِمة وويلاتِ الحرب".
وبذلك تزامناً مع ذكرى مرور ١٧٠٠ سنة على انعقاد مجمع العقائد المسيحية في نيقية يتمثل الهدف من زيارة بابا روما لاوون الرابع عشر في تعزيز الأخوة والحوار بين الشرق والغرب.. وتبرز إحدى اللحظات المحورية في زيارة البابا لاوُن الرابع عشر الرسولية عبر اللقاء المسكوني بالقرب من التنقيبات الأثرية لكنيسة القديس نيوفيتوس في مدينة إزنيق، نيقية القديمة، على بعد نحو مائة كيلومتر من إسطنبول.