قوة الدولة لا تكمن في عدد أجهزتها الأمنية، ولا بكثرة القوانين التي تصدرها، ولا بعدد المحاكم والقضاة الذين يعملون فيها، بل بنوعية ومزايا من يطبقون القوانين على نحوٍ يجعل من أجهزة إنفاذ القانون أداةً فعليةً لحماية المجتمع، وعلى إقناع المواطن بأن العدالة قادرةٌ على ملاحقة أخطر المجرمين ومحاسبتهم وإنزال العقوبات التي تتناسب مع خطورة أفعالهم الإجرامية.
الجريمة كانت وستبقى ظاهرةً ملازمةً للمجتمعات صغيرها وكبيرها، لكن الفارق بين دولةٍ وأخرى لا يكمن في وجود الجريمة أو غيابها، بل في كيفية تعامل أجهزة إنفاذ القانون معها. ثمة دولٌ تجعل من العقاب وسيلةً فعليةً للردع والحماية، وهناك دولٌ يتحول فيها العقاب، بفعل التساهل أو سوء التطبيق أو الاختلال في السياسة الجنائية، إلى مجرد إجراءٍ شكلي لا يلبث أن يفقد أثره، فتغدو الجريمة مشروعاً مربحاً مغرياً لجمع الثروات في أوقاتٍ قياسية، وتصبح المخاطرة بارتكابها مبررة من حيث حجم العائدات، في ظل ملاحقاتٍ لا تحسن تعقب الأموال المشبوهة ولا تتجرأ على إقرار غراماتٍ تتناسب مع مقدار المتحصلات الجرمية.
المشرع اللبناني، كغيره من التشريعات، أدرك منذ القدم أن وظيفة العقوبة لا تقتصر على الاقتصاص من المجرم، بل تتجاوز ذلك إلى حماية المجتمع وصون الأمن الاجتماعي، ومنع تكرار الجريمة كما الاعتياد عليها، وتحقيق الردع العام ولثني المجرمين عن الاستمرار في مشاريعهم الإجرامية. ومن أجل ذلك منح قاضي الموضوع سلطةً تقديريةً واسعةً، تسمح له بمراعاة الظروف الشخصية والموضوعية التي أحاطت بالمجرم عند اقتراف الجريمة، وقبل كل ذلك، ليأخذ بعين الاعتبار الخطورة الجرمية، وذلك بغرض تحقيق عدالةٍ فاعلة. إلا أن هذه السلطة لم تمنح للقاضي ليعيد النظر بالسياسة الجنائيةٍ للدولة أو ليعطل الغايات التي توخاها المشرع من التجريم والعقاب.
إن السلطة الاستنسابية هي سلطةٌ لتفريد العقوبة، لا لإفراغها من مضمونها. وهي وسيلةٌ لتحقيق الموازنة بين العقوبة ومفعوليها الردعي والحمائي، لا أداةٌ لإحداث قطيعةٍ بين النص القانوني وبين الغاية التي شرع القانون من أجلها.
وإذا كان هذا المبدأ ينطبق على مختلف الجرائم، فإنه يكتسب أهميةً مضاعفةً عندما يتعلق الأمر بالجرائم الخطرة والجرائم المنظمة، وفي مقدمتها جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات وتصنيعها وتهريبها.
إن جرائم المخدرات ليست بجرائم عادية، بل إنها صناعة للموت البطيء، وتجارةٌ سوداء تقوم على تدمير الإنسان والأسرة والمجتمع. وهي لا تنتج ضحايا مباشرين فحسب، بل تؤدي إلى الانحراف السلوكي المبني على العنف والفساد والسرقة والتفكك الاجتماعي، وتستنزف الموارد الصحية والاقتصادية للدولة، وتنشئ اقتصاداً موازياً قائماً على أموالٍ غير مشروعة.
ولتلك الأسباب لم يتهاون المشرع اللبناني مع جرائم المخدرات، خلافاً لتعامله مع غيرها من الجرائم. لقد أدرك خطورتها الاستثنائية، فشدد العقوبات المقررة لها، إلى حدٍ دفعه للخروج عن بعض القواعد العامة الواردة في قانون العقوبات. ففي حين نصت المادة 205 من قانون العقوبات على أنه عند اجتماع عدة جرائم يقضى بعقوبةٍ لكل جريمةٍ وتنفذ العقوبة الأشد دون سواها، وأجاز جمع العقوبات في حالاتٍ معينةٍ ضمن حدودٍ معينة. أما في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية (673/96)، فقد اختار نهجاً أكثر صرامة، إذ نصت المادة 147 منه صراحةً على أنه إذا أدين شخصٌ بارتكاب عدة جرائمٍ من بينها جريمةٌ أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها ذاك القانون، وجب إصدار عقوبةٍ عن كل جرمٍ على أن تجمع العقوبات السالبة للحرية ضمن نطاق الحد الأقصى المنصوص عليه قانوناً للجريمة الأشد.
إن هذا النص ليس تفصيلاً تقنياً عابراً، بل هو إعلانٌ واضحٌ عن إرادةٍ تشريعيةٍ تقضي بمواجهة هذا النوع من الإجرام بأقصى درجات الحزم التي يسمح بها القانون. فالمشرع كان يعلم أن تاجر المخدرات لا يرتكب جريمته منفرداً بصورةٍ عرضية، إنما في سياق مشروعٍ إجراميٍ متشعب، يدر أرباحاً هائلةً ويولد أخطاراً تمتد إلى ما وراء الحدود.
وإذا كان المشرع قد شدد العقوبات على جرائم المخدرات وأوجب جمعها، لماذا نشهد إذن عقوباتٍ لا تنسجم مع طبيعة مخاطر هذه الجرائم! وأكثر ما يثير الاستغراب صدور أحكامٍ تمنح بعض التجار أسباباً تخفيفيةً في قضايا يفترض أن تتخذ كنموذجٍ لتشديدٍ العقاب، وخاصةً تجاه أصحاب السوابق والشبكات الإجرامية المنظمة. فالعدالة لا تتحقق إلا من خلال فهم حق المجتمع في الحماية، وحق الضحايا في الإنصاف، وحق الدولة في الدفاع عن أمنها واستقرارها.
ونضيف، إن التساهل المتكرر مع بعض المجرمين الخطرين لا يقتصر أثره على القضية موضوع الحكم، بل يترك ندباً بلغةً على المجتمع وعلى أجهزة إنفاذ القانون نفسها. فما الرسالة التي تحملها أحكامٌ مخففةٌ لعنصرٍ أمني خاطر بحياته أثناء ملاحقة شبكات المخدرات، أو لمن أصيب منهم خلال مداهمة أو اشتباك، أو لأم شهيد عندما يرون أن بعضاً ممن ألقي القبض عليهم يعودون إلى الحرية بعد قضائهم لفتراتٍ حكميةٍ غير متناسبةٍ مع حجم الجرائم الضالعين فيها؟ وما الرسالة التي يتلقاها ذوي المدمنين عندما يشاهدون أولئك المجرمون يعودون إلى المجتمع تحت وقع الطبول والأهازيج والزغاريد التي تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي احتفاءً بإنهاء المدعو (ح م د) لفترة محكوميته والتي اقتصرت على إبقائه في السجن لحوال خمس سنوات، في الوقت الذي كان يعتبر من أهم تجار الكبتاغون في منطقة الشرق الأوسط، ويعتبر السبب الأساس في وقف تصدير المنتجات اللبنانية إلى دول الخليج.
إن العدالة المتساهلة مع المجرمين الخطرين لا تسيء فقط إلى هيبة القانون، بل أيضاً إلى تضحيات كل من عمل بصدقٍ وإخلاصٍ في مكافحة الجريمة. وهي تزرع في نفوس الشرفاء شعوراً خطيراً بأن ثمة فجوةً آخذةٌ بالاتساع بين إرادة المشرع وبين التطبيق العملي للنصوص الجزائية.
إن المسألة لا تقف عند حدود الأحكام القضائية. فسياسات العفو العام المتكررة، والتماهي في تخفيض السنة السجنية، واعتماد معاييرٍ لا تميز بصورةٍ كافيةٍ بين الجرائم البسيطة والجرائم الخطيرة المنظمة، قد تؤدي مجتمعةً إلى إضعاف الأثر الردعي للعقوبة وإلى تقويض الجهود المبذولة في مكافحة الجريمة.
العدالة الناجزة لا تعني الإفراج السريع عن المجرمين، كما أن معالجة الاكتظاظ في السجون لا تكون بتخفيض العقوبات على نحوٍ يفقدها فعاليتها. الحل الأمثل يكون بتسريع المحاكمات، وتطوير البنية القضائية وتفعيل آليات عملها، وتحسين آليات تنفيذ الأحكام، لا في تحويل العقوبة إلى إجراءٍ محدود الأثر.
إن المجتمع الذي يعجز عن التمييز بين المجرم العارض والمجرم المعتاد على الإجرام، أو بين جريمةٍ بسيطةٍ وجريمةٍ منظمة، يضع نفسه على طريق فقدان القدرة على حماية أمنه واستقراره. وإن الدولةً التي تتهاون في مواجهة كبار تجار المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة هي دولةٌ تخاطر بمستقبل أبنائها وتضع ذاتها رهينةً لمن يجنون الثروات بتدمير أجيالها وإفساد أجهزتها.
إن حماية المجتمع ليست عملاً أمنياً مجرداً، وليست عملاً قضائياً فحسب، بل هي مسؤوليةٌ وطنيةٌ مشتركة. غير أن الجهاز القضائي يبقى الحلقة الأهم بل الحاسمة في منظومة الملاحقة. فهو الجهة التي تترجم إرادة المشرع إلى واقعٍ عملي، وهو الجهة القادرة على منح النصوص الجزائية قوتها الفعلية أو تفريغها من مضمونها.
والسؤال الذي يطرح ذاته اليوم: هل ما زالت السياسة العقابية المطبقة في مواجهة الجرائم الخطرة تحقق الغايات التي أرادها المشرع من التجريم والعقاب؟ وهل ما زالت العقوبة تشكل رادعاً حقيقياً، أم أن بعض المجرمين باتوا ينظرون إليها بوصفها مجرد كلفةٍ مقبولةٍ ضمن حسابات الربح والخسارة؟
فعندما تصبح الجريمة أكثر ربحاً من العقوبة، وعندما يصبح الخوف من العقاب أضعف من إغراء المكاسب غير المشروعة، تصبح الدولة أمام محط ملامة. وعندها يصبح إصلاح السياسة الجنائية والعقابية ضرورةً وطنيةً لحماية المجتمع، وصون هيبة القانون، والحفاظ على الثقة بالعدالة قبل فوات الأوان.
يعيدنا احتفاء المجنس حديثاً (عام 2017) المطلق سراحه المدعو (ح م د)، بضرورة إعادة النظر بجميع من تم تجنيسهم في العقدين الأخيرين من أتباع نظام البعث في صفقةٍ مشبوهة.العميد المتقاعد د. عادل مشموشي
قوة الدولة لا تكمن في عدد أجهزتها الأمنية، ولا بكثرة القوانين التي تصدرها، ولا بعدد المحاكم والقضاة الذين يعملون فيها، بل بنوعية ومزايا من يطبقون القوانين على نحوٍ يجعل من أجهزة إنفاذ القانون أداةً فعليةً لحماية المجتمع، وعلى إقناع المواطن بأن العدالة قادرةٌ على ملاحقة أخطر المجرمين ومحاسبتهم وإنزال العقوبات التي تتناسب مع خطورة أفعالهم الإجرامية.
الجريمة كانت وستبقى ظاهرةً ملازمةً للمجتمعات صغيرها وكبيرها، لكن الفارق بين دولةٍ وأخرى لا يكمن في وجود الجريمة أو غيابها، بل في كيفية تعامل أجهزة إنفاذ القانون معها. ثمة دولٌ تجعل من العقاب وسيلةً فعليةً للردع والحماية، وهناك دولٌ يتحول فيها العقاب، بفعل التساهل أو سوء التطبيق أو الاختلال في السياسة الجنائية، إلى مجرد إجراءٍ شكلي لا يلبث أن يفقد أثره، فتغدو الجريمة مشروعاً مربحاً مغرياً لجمع الثروات في أوقاتٍ قياسية، وتصبح المخاطرة بارتكابها مبررة من حيث حجم العائدات، في ظل ملاحقاتٍ لا تحسن تعقب الأموال المشبوهة ولا تتجرأ على إقرار غراماتٍ تتناسب مع مقدار المتحصلات الجرمية.
المشرع اللبناني، كغيره من التشريعات، أدرك منذ القدم أن وظيفة العقوبة لا تقتصر على الاقتصاص من المجرم، بل تتجاوز ذلك إلى حماية المجتمع وصون الأمن الاجتماعي، ومنع تكرار الجريمة كما الاعتياد عليها، وتحقيق الردع العام ولثني المجرمين عن الاستمرار في مشاريعهم الإجرامية. ومن أجل ذلك منح قاضي الموضوع سلطةً تقديريةً واسعةً، تسمح له بمراعاة الظروف الشخصية والموضوعية التي أحاطت بالمجرم عند اقتراف الجريمة، وقبل كل ذلك، ليأخذ بعين الاعتبار الخطورة الجرمية، وذلك بغرض تحقيق عدالةٍ فاعلة. إلا أن هذه السلطة لم تمنح للقاضي ليعيد النظر بالسياسة الجنائيةٍ للدولة أو ليعطل الغايات التي توخاها المشرع من التجريم والعقاب.
إن السلطة الاستنسابية هي سلطةٌ لتفريد العقوبة، لا لإفراغها من مضمونها. وهي وسيلةٌ لتحقيق الموازنة بين العقوبة ومفعوليها الردعي والحمائي، لا أداةٌ لإحداث قطيعةٍ بين النص القانوني وبين الغاية التي شرع القانون من أجلها.
وإذا كان هذا المبدأ ينطبق على مختلف الجرائم، فإنه يكتسب أهميةً مضاعفةً عندما يتعلق الأمر بالجرائم الخطرة والجرائم المنظمة، وفي مقدمتها جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات وتصنيعها وتهريبها.
إن جرائم المخدرات ليست بجرائم عادية، بل إنها صناعة للموت البطيء، وتجارةٌ سوداء تقوم على تدمير الإنسان والأسرة والمجتمع. وهي لا تنتج ضحايا مباشرين فحسب، بل تؤدي إلى الانحراف السلوكي المبني على العنف والفساد والسرقة والتفكك الاجتماعي، وتستنزف الموارد الصحية والاقتصادية للدولة، وتنشئ اقتصاداً موازياً قائماً على أموالٍ غير مشروعة.
ولتلك الأسباب لم يتهاون المشرع اللبناني مع جرائم المخدرات، خلافاً لتعامله مع غيرها من الجرائم. لقد أدرك خطورتها الاستثنائية، فشدد العقوبات المقررة لها، إلى حدٍ دفعه للخروج عن بعض القواعد العامة الواردة في قانون العقوبات. ففي حين نصت المادة 205 من قانون العقوبات على أنه عند اجتماع عدة جرائم يقضى بعقوبةٍ لكل جريمةٍ وتنفذ العقوبة الأشد دون سواها، وأجاز جمع العقوبات في حالاتٍ معينةٍ ضمن حدودٍ معينة. أما في قانون المخدرات والمؤثرات العقلية (673/96)، فقد اختار نهجاً أكثر صرامة، إذ نصت المادة 147 منه صراحةً على أنه إذا أدين شخصٌ بارتكاب عدة جرائمٍ من بينها جريمةٌ أو أكثر من الجرائم المنصوص عليها ذاك القانون، وجب إصدار عقوبةٍ عن كل جرمٍ على أن تجمع العقوبات السالبة للحرية ضمن نطاق الحد الأقصى المنصوص عليه قانوناً للجريمة الأشد.
إن هذا النص ليس تفصيلاً تقنياً عابراً، بل هو إعلانٌ واضحٌ عن إرادةٍ تشريعيةٍ تقضي بمواجهة هذا النوع من الإجرام بأقصى درجات الحزم التي يسمح بها القانون. فالمشرع كان يعلم أن تاجر المخدرات لا يرتكب جريمته منفرداً بصورةٍ عرضية، إنما في سياق مشروعٍ إجراميٍ متشعب، يدر أرباحاً هائلةً ويولد أخطاراً تمتد إلى ما وراء الحدود.
وإذا كان المشرع قد شدد العقوبات على جرائم المخدرات وأوجب جمعها، لماذا نشهد إذن عقوباتٍ لا تنسجم مع طبيعة مخاطر هذه الجرائم! وأكثر ما يثير الاستغراب صدور أحكامٍ تمنح بعض التجار أسباباً تخفيفيةً في قضايا يفترض أن تتخذ كنموذجٍ لتشديدٍ العقاب، وخاصةً تجاه أصحاب السوابق والشبكات الإجرامية المنظمة. فالعدالة لا تتحقق إلا من خلال فهم حق المجتمع في الحماية، وحق الضحايا في الإنصاف، وحق الدولة في الدفاع عن أمنها واستقرارها.
ونضيف، إن التساهل المتكرر مع بعض المجرمين الخطرين لا يقتصر أثره على القضية موضوع الحكم، بل يترك ندباً بلغةً على المجتمع وعلى أجهزة إنفاذ القانون نفسها. فما الرسالة التي تحملها أحكامٌ مخففةٌ لعنصرٍ أمني خاطر بحياته أثناء ملاحقة شبكات المخدرات، أو لمن أصيب منهم خلال مداهمة أو اشتباك، أو لأم شهيد عندما يرون أن بعضاً ممن ألقي القبض عليهم يعودون إلى الحرية بعد قضائهم لفتراتٍ حكميةٍ غير متناسبةٍ مع حجم الجرائم الضالعين فيها؟ وما الرسالة التي يتلقاها ذوي المدمنين عندما يشاهدون أولئك المجرمون يعودون إلى المجتمع تحت وقع الطبول والأهازيج والزغاريد التي تناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي احتفاءً بإنهاء المدعو (ح م د) لفترة محكوميته والتي اقتصرت على إبقائه في السجن لحوال خمس سنوات، في الوقت الذي كان يعتبر من أهم تجار الكبتاغون في منطقة الشرق الأوسط، ويعتبر السبب الأساس في وقف تصدير المنتجات اللبنانية إلى دول الخليج.
إن العدالة المتساهلة مع المجرمين الخطرين لا تسيء فقط إلى هيبة القانون، بل أيضاً إلى تضحيات كل من عمل بصدقٍ وإخلاصٍ في مكافحة الجريمة. وهي تزرع في نفوس الشرفاء شعوراً خطيراً بأن ثمة فجوةً آخذةٌ بالاتساع بين إرادة المشرع وبين التطبيق العملي للنصوص الجزائية.
إن المسألة لا تقف عند حدود الأحكام القضائية. فسياسات العفو العام المتكررة، والتماهي في تخفيض السنة السجنية، واعتماد معاييرٍ لا تميز بصورةٍ كافيةٍ بين الجرائم البسيطة والجرائم الخطيرة المنظمة، قد تؤدي مجتمعةً إلى إضعاف الأثر الردعي للعقوبة وإلى تقويض الجهود المبذولة في مكافحة الجريمة.
العدالة الناجزة لا تعني الإفراج السريع عن المجرمين، كما أن معالجة الاكتظاظ في السجون لا تكون بتخفيض العقوبات على نحوٍ يفقدها فعاليتها. الحل الأمثل يكون بتسريع المحاكمات، وتطوير البنية القضائية وتفعيل آليات عملها، وتحسين آليات تنفيذ الأحكام، لا في تحويل العقوبة إلى إجراءٍ محدود الأثر.
إن المجتمع الذي يعجز عن التمييز بين المجرم العارض والمجرم المعتاد على الإجرام، أو بين جريمةٍ بسيطةٍ وجريمةٍ منظمة، يضع نفسه على طريق فقدان القدرة على حماية أمنه واستقراره. وإن الدولةً التي تتهاون في مواجهة كبار تجار المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة هي دولةٌ تخاطر بمستقبل أبنائها وتضع ذاتها رهينةً لمن يجنون الثروات بتدمير أجيالها وإفساد أجهزتها.
إن حماية المجتمع ليست عملاً أمنياً مجرداً، وليست عملاً قضائياً فحسب، بل هي مسؤوليةٌ وطنيةٌ مشتركة. غير أن الجهاز القضائي يبقى الحلقة الأهم بل الحاسمة في منظومة الملاحقة. فهو الجهة التي تترجم إرادة المشرع إلى واقعٍ عملي، وهو الجهة القادرة على منح النصوص الجزائية قوتها الفعلية أو تفريغها من مضمونها.
والسؤال الذي يطرح ذاته اليوم: هل ما زالت السياسة العقابية المطبقة في مواجهة الجرائم الخطرة تحقق الغايات التي أرادها المشرع من التجريم والعقاب؟ وهل ما زالت العقوبة تشكل رادعاً حقيقياً، أم أن بعض المجرمين باتوا ينظرون إليها بوصفها مجرد كلفةٍ مقبولةٍ ضمن حسابات الربح والخسارة؟
فعندما تصبح الجريمة أكثر ربحاً من العقوبة، وعندما يصبح الخوف من العقاب أضعف من إغراء المكاسب غير المشروعة، تصبح الدولة أمام محط ملامة. وعندها يصبح إصلاح السياسة الجنائية والعقابية ضرورةً وطنيةً لحماية المجتمع، وصون هيبة القانون، والحفاظ على الثقة بالعدالة قبل فوات الأوان.
يعيدنا احتفاء المجنس حديثاً (عام 2017) المطلق سراحه المدعو (ح م د)، بضرورة إعادة النظر بجميع من تم تجنيسهم في العقدين الأخيرين من أتباع نظام البعث في صفقةٍ مشبوهة.