بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 آذار 2026 12:00ص الأبعاد الأوليَّة للحرب

حجم الخط
ما نشهده اليوم من حروب في المنطقة جديد بحجمه وعمقه وتوسعه وخطورته.  لم تكن هذه الحروب مفاجئة تبعاً لتصريحات السياسيين والمسؤولين من مختلف الجهات، انما تأملنا جميعا أن لا تحصل، خاصة نحن سكان دول المنطقة الذين عانوا ويعانون من مواجهات سياسية وأمنية مزمنة لم تنته بعد.  في الواقع ننتقل، أكثر من أي منطقة أخرى، من حرب الى أخرى ومن نزاعات الى أخرى.  تكثر الأسباب لكن الأوضاع الحربية والأمنية واحدة.  غياب أفق لهذه الحرب وعدم وضوح الأهداف الحقيقية بالنسبة لكافة الفرقاء بمن فيهم الولايات المتحدة يدخلاننا في فترة ضياع مكلفة جدا على المدى البعيد.  فالرئيس ترامب لم يوضح حقيقة ما تريده فعلا الولايات المتحدة، بل قال علناً أن الأعمال الحربية ستستمر حتى تحقيق «الأهداف» ولن يتعب أو ييأس مهما طالت.  بالنسبة لنا في لبنان، هنالك 3 أبعاد لهذه الحرب هي أولا البُعد اللبناني وثم البُعد الخليجي وثالثا البُعد العالمي من ناحية تأثير العنف على أسعار المواد الأولية والأسواق المالية والنقد كما على الاستقرارين السياسي والاجتماعي.
في البُعد الأول كان يمكن تجنب دخول لبنان في الحرب اذ كان التحذير متعدد المصادر والجهات، خاصة وأن اقتصادنا تعب ونمونا ضعيف بل تنميتنا غائبة.  كنا بحاجة لهذا الهدوء كي نلملم أوراقنا ونصوب أهدافنا ونحاول الانتقال من مرحلة الفوضى والتردد الى مرحلة البناء وثم النمو.  لن يحصل ذلك من دون اتمام انتخابات نيابية تنافسية ونزيهة كان من المفروض أن تنقلنا الى مرحلة أخرى نستفيد منها اقتصاديا بل سياسيا واجتماعيا.  ما يحصل اليوم سيجمع الخسائر ويؤخر البناء ويصيب المجتمع في صميمه وتجانسه، أي سيعمق الانقسامات الداخلية التي لن ترمم بسهولة.  في لبنان تعبنا من الحروب المتواصلة منذ 1975 مع فترات سماح وهدوء توسعت أو ضاقت تبعا لعدم انخراطنا كمجموعات أو أحزاب في مصالح أكبر منا لا تصب في مصلحتنا.  بالنسبة للبنان اليوم ما يحصل يعمق الخسائر المتنوعة ولن يفيدنا بشيء.
البُعد الثاني مهم جدا للخليج نفسه طبعا ولنا أيضا في لبنان، اذ كانت دول مجلس التعاون الخليجي وما زالت الداعم الأساسي لاستقرار لبنان ونهضته الاقتصادية.  ما يحصل من حروب على دول الخليج يصيبنا أيضا بطريقة غير مباشرة ولا مصلحة حتى لايران فيه.  جنون الحروب في المنطقة مدهش وغير مفهوم حتى اذا اعتمدنا أسواء السيناريوات الهوليوودية والخيالية.  الخسائر الخليجية هي اقتصادية وسيكون الوقت الضائع مكلفا اذا طالت الحرب.  سيتعافى الاقتصاد الخليجي بسرعة مع وقت الأعمال العدائية والحربية، لكن أفقها كما قلنا أعلاه غير واضح حتى الآن.  يمكن الاستفادة من فترة الخسائر الحالية للتفكير أكثر في المصالح السياسية والاقتصادية الطويلة الأمد واعادة النظر في العلاقات بين دول الخليج وبقية دول المنطقة.  اذ اعتقدنا أن ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة الحرب سيفيد الدول الخليجية المصدرة، فالخسائر المباشرة الناتجة عن الحرب ستكون أعلى.  مصالح دول الخليج مهمة جدا، ولا بد من اعادة النظر في علاقات سياسية واستراتيجية بنيت على مدى عقود ولم تعط النتائج المتوخاة أو المنتظرة بل ربما أعطت نتائج مضرة ومعاكسة.
البُعد الثالث العالمي مهم جدا ونعلم أن الاقتصاد الغربي لم يتأثر بعد بما يحصل.  حكما أسعار المواد الأولية بما فيها النفط والمعادن سترفع تكلفة الانتاج وتؤثر سلبا على نسب النمو في 2026.  اذا طالت الحرب، ستتأثر نسب التضخم ليس فقط في الولايات المتحدة وانما عالميا مما يؤثر سلبا على الاستقرار الاجتماعي.  ستتأثر امدادات النفط من المنطقة الى العالم، لكن البدائل متوافرة أقله مؤقتا من فينيزويلا ونيجيريا وغيرهما ولن تحدث بالتالي كوارث كبرى كما يحاول البعض توتير الأوضاع أكثر عبر بث الاشاعات المغرضة والخاطئة حولها.  ستتأثر الأسواق المالية العالمية سلبا بما يحصل كما ستتأثر معها وعبرها أسواق الصرف على الأرجح ضد مصلحة الدولار بسبب انخراط الولايات المتحدة في الحرب.  المهم جدا أن لا تطول هذه الحرب اذ أن الخسائر عندها ستكبر الى حدود تمس على المدى البعيد الاستقرار السياسي والاجتماعي العالميين.
ستتغير السياسات الاقتصادية الوطنية والاقليمية حكما بعد الحرب اذ سيتعزز وضع السياسة المالية للتعويض عن الخسائر في البنية التحتية والقطاعات الاجتماعية.  لن يحدث تضخم لأن الانفاق المتزايد سيعزز العرض وبالتالي يستوعب الاقتصاد ارتفاع الأسعار.  توزع الانفاق سيحصل تبعا للخسائر الحاصلة، وبالتالي تخفيف أوجاع المواطن سيكون من أولويات الحكومات في المنطقة وخارجها.  أما في السياسة النقدية، ستسعى المصارف المركزية لابقاء الفوائد منخفضة حتى يستطيع القطاع الخاص الاقتراض للتعويض عن الخسائر كما للاستثمار في مشاريع المستقبل.  لا شك أن الحاجات الاجتماعية من صحة وتعليم ستكون من الأولويات في كل المجتمعات وهذا لا يحتاج لأي توصية أو نصيحة.  الظروف الحالية سلبية دون شك لكن يمكن الاستفادة منها للتفكير بالمستقبل خاصة في العلاقات مع دول الجوار وتنفيذ ما نستنتج منه بسرعة منعا لتكرار التجارب السيئة.