بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 أيار 2026 12:00ص أن تكون مؤمِناً سر الاستقامة ونور الحضور

حجم الخط
قالت لِي الآيات:
{إِن الذِين قالوا ربنا الله ثم استقاموا}
أن تكون مؤمِناً؛
ليس أن تقول فقط: «ربِي الله» فحسب، بل أن تستقِيم على هذا القولِ حتى النِهايةِ تصريحاً وسلوكاً قويماً.
أن يكون الإِيمان فِيك طرِيقاً... لا ظرف زمان أو مكان، وحياةً... لا كلِمةً. فالاستِقامة هِي أن تسِير، بما تقدر عليهِ، وإِن تعثرت، وأن تعود إلى الحسنى وإِن بعدت، وأن يثبت قلبك على الحقِ وإِن تقلبت بِك الأحوال، وضاعت عندك الآمال.
{تتنزل عليهِم الملائِكة ألا تخافوا ولا تحزنوا}
حِين تستقِيم؛ يهدأ الخوف فِي داخِلِك، ويخفت الحزن فِي أعماقِك. ليس لِأن الحياة تخلو مِن الألمِ، فما هكذا حالها، بل لِأن قلبك أصبح موصولاً بِربِ الحياةِ، ربِ الأرضِ والسماءِ. فالملائِكة تتنزًل سكِينةً من عند الرحمن الرحيم، لا كخيال يرى، بل كضِياء يحسب له عند أهلِ الأيمانِ ما لا يعد ولا يحصى مِن حِساب.
ويقال لك: لا تخف مِما ترى، ولا تحزن على ما مضى، فمع المستقِيمِين رِعاية من لا يخِيب رجاؤه، وعون من لا يرد قضاؤه.
{نحن أولِياؤكم فِي الحياةِ الدنيا وفِي الآخِرةِ}
أن تكون مؤمِناً؛
هو أن لا تكون وحدك أبداً. هناك، وحيثما كنت، توجًد عِناية تحِيط بِك، ولطف يحمِلك، ورِفق يرافِق خطواتِك، وإِن لم تره. فإِذا استقمت، صارتِ السماء سقفك، وصار الملك رفِيقك، وصار الله نصِيرك. أبعد هذا مِن فوزِ الفائزين فوز، وإنجاز من إنجازاتِ العامِلين.
ومن أحسن قولاً مِمن دعا إِلى اللهِ وعمِل صالِحاً}
الإِيمان ليس صمتاً، بل صوت يدعو إِلى الحقِ. وليس قولاً فقط، بل هو عمل يصدِق القول في صِدقِهِ وفي أمانتِه.
أن تكون مؤمِناً يعني أن تكون جِسراً بين الناسِ والنورِ؛ نور الهداية، ونور البداية شروقا، ونورِ المسارِ ضحًى وظهيرة حتى نهايةِ الأعمار، حيث يطوينا التراب، فلا عتاب بينهم ولا أنساب.
أن تكون مؤمناً يعني أنك تدعو الى هدى اللهِ بِحالِ الفِعالِ قبل ما يأتي على اللِسانِ مِن أقوال، وترشِد بِحسنِ السِيرة قبل علوِ المكانةِ والعشِيرة، فحين يكشف الغطاء وتنجلي البصيرة لا تغني سعة في الرِياشِ ولا ميسرة في المعاشِ، فإِن صمت القولِ يضاهيهِ صوت الفِعل. {بلِ الإِنسان على نفسِهِ بصِيرة} (سورة القيامة: 14)، وكل إنسان عارِف بأفعاله، خيرها وشرها، فهو أدرى بنفسه، وأن ضميره وحقيقته حجتان عليه.
{ولا تستوِي الحسنة ولا السيِئة}
الإِيمان يعرِف الفرق بين الألوان، وبين اللبسِ والبيانِ، وبين الإبهامِ في التعبيرِ والوضوحِ في التفسير، وهو بذلك لا يخلِط بين انجلاءِ الضِياءِ وحلولِ الظلامِ.
قالت لِي الآيات: فلا تجارِ السوء بِسوء، ولا ترد القسوة بِقسوة، لِأنك حِين يشبِه فِعلك الجريرة، فلا معنى لحسنِ السريرة، واذاك تفقِد نور الِاختِلافِ، وتكون كمن يطفِئ النار بِالنارِ.
{ادفع بِالتِي هِي أحسن}
هنا يبدأ سِر العظمة، أن تقابِل الأذى بِالإِحسانِ، والعداوة بِالرِفقِ، والقسوة بِالحِلمِ، فإِذا القلوب تتحول الى خير، وإِذا البعيد يصِير قرِيباً، وإِذا الجرح يصِير جِسراً الى الإلتئامِ، ليس بِسِحر، ولا بطولِ كلام، ولا بهدية مِن الحطامِ، ولكِن لِأن الحسنة تقصِم السيِئة، كما الضوء يقصِم الظلام.
{وما يلقاها إِلا الذِين صبروا}
ثم قالت لِي الآيات: واعلم أيها العابد، السائرِ في طريقِ ذاتِ الشوكةِ، أن ما ورد ليس طرِيقاً سهلاً، إِنه طرِيق الصابِرِين؛ طرِيق من يجاهِدون أنفسهم، قبل أن يغيِروا العالم. فالصبر ليس جموداً، بل ثبات قلب، وليس تحمل قهر، بل فِعل قدرة.
{وما يلقاها إِلا ذو حظ عظِيم}
إن العطاء الكبِير، لا يعطى إِلا لِقلب كبِير. ولا يحرم من صبر واحتسب، فالحظ العظِيم هو أن يجعلك الله لِلحقِ قائِماً، وأن تكون عِنده مِن المحسِنِين.
خلاصة الحضور:
أن تكون مؤمِناً؛ هو أن تثبت حِين يتغير كل شيء، وأن تهدأ حِين يضطرِب كل شيء، وأن تكون رحمةً دوماً، أن تكون نوراً جلِياً، مهما أظلمت أمامك الطرق، وأغلِقت بوجهِك الأبواب، وابتعد عنك الداني والنائي، حتى لو صار مكانك في صحراءِ «الربذة» أو في كثبانِ الربعِ الخالي.
هنا، لا يكون الإِيمان كلِمات نقولها ونكرِرها، بل يكون حياةً نعيشها، وقلباً يتصِل بِاللهِ الحيِ القيومِ، العليِ العظيمِ، العطوفِ الرؤوف، فلا ينقطِع ذاتك عن الحقِ، ولا تبتعد نفسك عن الحقيقة بلا إجحاف ولا إلحاف، وبلا زِيادة ولا نقصان.
وتذكر دائِماً: الاستِقامة ليست أن لا تسقط، بل أن تقوم اللهِ كلما سقطت، وتعود إليهِ كلما بعدت، وتقبِل عليهِ كلما أدبرت بِك النفس عنه. عِندئِذ تكون مع {الذِين قالوا ربنا الله ثم استقاموا...}.
والحمد لِلهِ ربِ العالمين.

غازِي منير قانصو