زيارة الرئيس ترامب الى الصين تطرح مجددا مواضيع حجم ومحتوى العلاقات الاقتصادية الثنائية بما فيها التجارية والمالية التي يحاول كل من الطرفين دفعها بالاتجاه الذي يناسبه. فالعلاقات مهمة جدا للطرفين طبعا، لكنها مهمة جدا أيضا للعالم لتأثيرها على أسعار وتوافر كافة السلع وخاصة سلاسل الامداد المؤثرة على الاستقرار العالمي. طريقة تعامل الرئيس ترامب مع الدول الرئيسية بما فيها الحليفة مختلفة جدا عن الرؤساء السابقين. يعتمد المواجهة بل القوة الديبلوماسية في علاقاته حتى مع أوروبا الحليفة. جميع الرؤساء الأميركيين السابقين بمن فيهم الجمهوريين كانوا يركزون على حسن العلاقة والتعاون الصريح الايجابي مع الأصدقاء وليس على المواجهة. كانوا «عولميين» وغير منعزلين في تفكيرهم وتصرفاتهم. شخصياتا الرئيسين الصيني والأميركي مختلفتان جدا أي بين الحيوي والهادئ، كل منهما الى حدود بعيدة.
فالرئيس ترامب الذي انتخب بدأ من مجموعة «ماغا» وغيرهم طبعا يريد اعادة العظمة الى دولته عبر تحصيل حقوقها السياسية والمادية كما الأمنية وعدم الاتكال على المسايرة واللطف كما فعل الرؤساء السابقين بمن فيهم الجمهوريين. حتى اذا عدنا الى زمن الرئيس نيكسون المؤسس لتلك العلاقة الثنائية، نرى أنها تركزت على التعاون وليس على المواجهة السياسية والاقتصادية. «هنري كيسينجر» مهندس تلك السياسة كان حذرا جدا ودائما، كما قال في كتبه، على عدم اغضاب القيادات الصينية لأن التعاون مجد ولمصلحة أميركا.
اعتمد الرئيس ترامب حتى في عهده الأول على سياسة تحصيل الحقوق والتركيز على الداخل، وما سياسات التعريفات الجمركية المفروضة على الجميع الا ادوات لحشر كافة الفرقاء بمن فيهم الصين طبعا. وصف كلمة «تعريفة» بأنها أجمل كلمة في القاموس الانكليزي. أغضبت هذه السياسات كل الدول وخاصة الحلفاء. قال الناشط السياسي السوفياتي الراحل «الكسندر سولجنتسين» أن الاقتصاد العالمي يعتمد على قيادة الولايات المتحدة وعلى المسؤولين الأميركيين التصرف كذلك، أي التفكير بمصلحة الاقتصاد العالمي. ان اعتبار هذه السياسات التعريفية لاحقا غير قانونية من قبل المحاكم الأميركية شكل صفعة سياسية للرئيس الذي كان يعتقد ان لا حدود لصلاحياته وسلطته، بل هو الحاكم المطلق. سياسات الرقابة الدستورية والمؤسساتية المطبقة منذ نشأة الولايات المتحدة ما زالت حية وهي تضع الحدود لكل من يحاول تجاوز المنطق والصلاحيات التاريخية المعتمدة.
تطورت حصة الصين من التجارة الدولية من 4% في سنة 2001 الى 15% في 2021 مما يشير الى الدور الدولي الذي ستلعبه أكثر فأكثر على الساحة الدولية. تبعا للاحصائيات المتوافرة من صندوق النقد الدولي، ستحقق الصين نموا قدره 4,5% هذه السنة وهو انجاز كبير في الظروف الأمنية والسياسية الدولية الحالية. قوة الصين الأساسية تقع في ميزان الحساب الجاري الفائض والبالغ 3% من الناتج، لكنه منقسم الى فائض تجاري كبير قدره 5% من الناتج وعجز خدماتي قدره 1,3% من الناتج نفسه. تعود هذه النتائج الى القدرة الكبيرة للصين على تصدير السلع الى كل دول العالم.
فالصين تعتبر محرك تصديري مبني على تدني التكلفة وأكثر فأكثر على النوعية المتحسنة كما تشهد عليه صناعة السيارات. تستطيع الصين اليوم انتاج وبيع سيارات كهربائية بأقل من 10 آلاف دولار مقارنة ب 30 ألف دولار لسيارات غربية مماثلة. تسيطر الصين اليوم على أكثر من 80% من انتاج الطاقة الشمسية. ينتج عن هذا التفوق انتاج كبير فائض، أي أعلى من القدرة على التسويق. أما ميزان الحساب الجاري الأميركي فهو عاجز وقدره 3,8% من الناتج هذه السنة. لا شك أن الاقتصادين هما في وضعين معاكسين مما يفرض ضرورة الاتفاق لمصلحة الدولتين لتصحيح الخلل الثنائي الواضح. يقول الرئيس شي أن الدول الغربية ومن بينها الولايات المتحدة تعاني من أمراض مزمنة أهمها المادية العميقة والروحانية المفقودة.
ما هي المواضيع التي تقع في صلب المواجهة بين الجبارين؟ هنالك موضوعان أساسيان أولا اطمئنان الولايات المتحدة الى توافر المعادن النادرة ال 17 الموجودة في الصين والتي تحتاج اليها لصناعاتها التكنولوجية في البطاريات والطاقة النظيفة والدفاع وغيرها. الموضوع الثاني هو حاجة الولايات المتحدة للمساعدة في تخفيف العجز التجاري مع الصين عبر شراء الصين لسلع أميركية والاستثمار في الاقتصاد الأميركي مما يساهم في محاربة البطالة الداخلية وتخفيف الواردات من الصين. بلغ العجز التجاري الثنائي لصالح الصين 202 مليار دولار في 2025 وهو العجز الثنائي الرابع لأميركا بعد المكسيك وفيتنام وتايوان الصينية.
تبعا لدراسات علمية دولية على 13 صناعة تكنولوجية حيوية، تتقدم الصين في 12 منها وهذا ما يقلق أميركا. على الولايات المتحدة أن تعيد النظر بنظام الانفاق العام داخلها والذي نتج عن العقيدة الترامبية. على الولايات المتحدة أن تأخذ الصين جديا وتدرس قدرتها الحقيقية الواقعية على المنافسة وربما رغبة الفوز على الولايات المتحدة. ما هو الموضوع السياسي الذي يحتاج ترامب للمساعدة به من الصين حتى يصل الى أهدافه؟ يحتاج لتخفيف الصراع مع أيران، اذ للصين نفوذ كبير فيما يخص السياسات الايرانية.