مع إستعداد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري لمغادرة بيروت بعد عشر سنوات حافلة بالأحداث والتحولات، يطوي لبنان صفحة ديبلوماسية إستثنائية لرجل لم يكن مجرد سفير يؤدي مهماته التقليدية، بل شخصية عربية جامعة استطاعت أن تحضر في أصعب اللحظات التي مرَّ بها البلد، وأن تحافظ على خيط التواصل قائماً وسط العواصف السياسية والأمنية والإنسانية التي عصفت باللبنانيين خلال العقد الأخير.
وصل بخاري إلى بيروت في مرحلة شديدة التعقيد، وعايش عن قرب الإنهيار المالي، والشلل المؤسساتي، والتوترات السياسية المتلاحقة، إضافة إلى حربين مدمرتين خلال أقل من سنتين، فضلاً عن الشغور الرئاسي الطويل الذي إمتد ثلاثين شهراً، وأدخل البلاد في حالة غير مسبوقة من الإرباك الدستوري والسياسي. ومع ذلك، بقي الرجل محافظاً على ديناميكيته الديبلوماسية، وعلى إيمانه بأن لبنان، رغم كل جراحه، قادر على النهوض متى توافرت الإرادة الوطنية الصادقة.
وخلال مرحلة الفراغ الرئاسي تحديداً، لعب بخاري دوراً محورياً إلى جانب سفراء اللجنة الخماسية، في محاولة تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية اللبنانية، والسعي إلى إنتاج قواسم مشتركة تسمح بإعادة إحياء المؤسسات الدستورية، وإنهاء حالة الشلل التي أصابت الدولة. لم يكن يتدخل بمنطق الوصاية أو الفرض، بل بأسلوب الحرص على إستقرار لبنان ووحدته، إنطلاقاً من العلاقة التاريخية التي تربط المملكة العربية السعودية بلبنان وشعبه.
غير أن ما ميَّز تجربة وليد بخاري في بيروت لم يكن الجانب السياسي فقط، بل شخصيته الثقافية والفكرية النادرة في العمل الديبلوماسي. فقد عُرف الرجل بشغفه العميق بتاريخ لبنان، وقراءاته الواسعة لكتابات كبار المؤرخين أمثال فيليب حتّي وكمال الصليبي وغيرهما، ما أتاح له فهماً دقيقاً لتركيبة المجتمع اللبناني وتعقيداته الطائفية والثقافية والسياسية.
ولذلك لم يكتفِ بخاري بإقامة العلاقات الرسمية مع السياسيين وأصحاب القرار، بل نسج شبكة واسعة من الصداقات مع المفكرين والمثقفين والشعراء والأكاديميين والإعلاميين، وكان حريصاً على تنظيم حلقات الحوار الفكري والثقافي التي جمعت أطيافاً لبنانية متنوعة، في مشهد يعكس صورة لبنان الحقيقية القائمة على التعددية والإنفتاح والتفاعل الحضاري.
وعلى المستوى الشخصي، جمعتني بالسفير بخاري صداقة خاصة إمتدت سنوات، لمست خلالها فيه الإنسان المتواضع والمثقف العميق والمحب الصادق للبنان. كان يصغي أكثر مما يتكلم، ويتعامل مع الإختلافات اللبنانية المعقدة بعقل إستيعابي وحكمة لافتة، مدركاً أن هذا البلد لا يُفهم فقط من خلال السياسة، بل أيضاً عبر ثقافته وتاريخه وتنوعه الإنساني الفريد.
وليد بخاري سفير عربي من طراز مميَّز ومختلف، جمع بين الحنكة الديبلوماسية والرقي الثقافي والقدرة النادرة على بناء الجسور بين الناس، في زمن تعددت فيه الجدران والحواجز، وكثرت المطبّات والإنقسامات.