«لم تكن الصحافة بالنسبة لي مجرد مهنة، بل كانت مسؤولية وإلتزاما»....
«هذه ليست مجرد رواية، إنها شهادة على ما نعيشه كل يوم، على ما لا يستطيع العالم رؤيته من وراء الشاشات».
حسب الرواية أن تجد لنفسها كاتبا يسجل أوراقها من أرض الواقع. فما بالكم إذا كان هذا الكاتب من أهل الصحافة كما هو من أهل الأدب. إذ ذاك، نحن أمام عملين في عمل واحد: الخيال التسجيلي للكاتب، والصورة التسجيلية للصحفي. وهذا ما يضفي على العمل مسحة من الرقة ومن الشفافية. فالرقة هي من صنعة الأديب وقدرته على الأسلبة التي تمنح الرواية بُعدا عاطفيا. والشفافية هي من صنعة الصحافة التي تقارب الواقع، على شكل دقيق، وتجعلنا نعيش اللحظات الساخنة، وكأنها أمام أعيننا.
«أرض لا تموت. منيب أبو سعادة. دار نلسن-2025. (120 ص. تقريبا)».
«النهار طال أكثر مما يجب. الأطفال تعبوا من اللعب بالتراب، من المشي حفاة، من الأسئلة التي لا يجيب عنها أحد. سلمى جاءت وجلست بجانبي، أمسكت بيدي الصغيرة المتجمدة، ولم تقل شيئا، الصمت في عيونها كان أبلغ من كل الكلمات».
يحدثنا منيب أبو سعادة، كروائي وصحفي في آن، إتخذ من أرض غزة تحت القصف اليومي، مادته الروائية، ولهذا نجده يتحدث بحرارة لا توصف، عن معاناة أهلها وهم تحت النيران، يهربون من جحيمها من زاوية إلى زاوية، ومن شارع إلى شارع، ومن منطقة إلى أخرى، بحسب جدول الأعداء الذين يباغتونهم على حين غرّة، ولا يجعلون لهم فرصة الهروب، إلّا تحت وطأة الحروب المتنقلة.
«لكن مع كل هذه المعاناة، لم يكن لدينا سوى الصبر والإيمان بأننا سوف نتجاوز الأزمة. كان لكل منا أمل صغير في تغيير الواقع، رغم أن الطعام في غزة كان يظل مجرد ذكرى، لم تكن له أي طعمة سوى طعم المعاناة».
يصوّر لنا منيب أبو سعادة المزارع المحروقة، وكذلك الأبنية المهدّمة، كما يصوّر هروب العائلات من الأخطار المداهمة، متحدثا عن عائلته المكوّنة من زوجة وثلاثة أطفال صغار، ينامون على جوعهم وعلى عطشهم، في العراء، وتحت خيام ممزقة.
«ورغم كل شيء كنت أعلم أن القصة لم تنته بعد. وأن الفصول القادمة، ستكون صعبة. لكنني كنت مستعدا. في غزة، لا يمكنك أن تتوقف عن الكتابة، لأن التوقف يعني الإستسلام، وأنا لم أكن مستعدّا لذلك».
منيب أبو سعادة، الكاتب والصحفي، يعرف كيف يشوّقنا، لمعرفة أخبار غزة تحت الإحتلال، فهو من مواطنيها، يسمّي الأحياء بأسمائها، ويتعامل مع أهلها، لأنه جزء منهم، فيتحسس أوجاعهم وحاجاتهم، لأن معاشه من معاشهم، ويومه كيومهم، وعائلته، كسائر العائلات العالقة، تحت الإحتلال، وما يطالهم منه، ومن النيران، ومن أشكال الحصار، ومن جفاف المواد الغذائية، بعدما خسرت المدينة أسواقها، وصار الباعة على الطرقات.
«كان الأمل يتسلل إلى قلبي في كل مرة كنت أقرأ فيها، أو أسترجع شيئا من دراستي، كانت المحاضرات التي أتابعها، حتى وإن كانت بسيطة أو تقليدية، تمثل لي معركة جديدة، فرصة أخرى للعيش والتشبث بالعلم والنور...».
إستطاع الروائي والصحفي الأستاذ منيب سعادة، أن يجعل من عمله الروائي، محفظة، بل مضبطة لجميع أنواع المقاساة التي يعانيها أهالي غزة. فعمله الروائي يصف المدينة التي كانت زاهرة، وتحوّلت تحت الحرب إلى مدينة أشباح، يعيش فيها الناس حالة الهلع والهروب، وينتظرون الموت في جميع الجهات، حيث لم يعد هناك من مكان آمن، يحتمي فيه الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة. حتى المرضى، لم تبقَ لهم مستشفيات، يلجأون إليها، حين تشتدّ عليهم الحرب، ويصيرون بحاجة إلى العلاجات، من جميع المستويات.
«كل صباح، كنت أستيقظ على صوت الرياح التي تعصف بالأقمشة المثقوبة في خيمة الصحفيين. كان الضباب يغطي سماء غزة... كنت أسمع همسات الصحفيين حول آخر تطورات الحرب، لكنني كنت أحاول أن أغمض عيني، علني أستطيع الهروب من هذا الواقع».
رواية منيب أبو سعادة، إنما تصوّر لنا عمق المأساة في غزة، والتي جعلتها الحرب مأساة دائمة طيلة ثلاث سنوات، فما بقيت فيها شوارع، ولا بقيت فيها أسواق، وصارت بلا مدارس ولا جامعات.
«مهما كان الظلام الذي يحيط بنا، سيظل هناك دائما بصيص ضوء يظهر في اللحظات التي لا نتوقعها، والأمل، رغم كل شيء، يظل حيّا في قلب غزة».
ويقول المؤلف الغزاوي، إن مدينته المنكوبة والمنهوبة تأبى أن تموت، رغم بشاعة ما تتعرض له من اعتداءات ومن سرقات، ومن أعمال هدم وحرق وتخريب، فهي مدينة لا تزال على عنادها في حب الحياة، ما زادتها الحرب إلّا بسالة في التماسك والتمسّك بشروط الحياة.
«الزنانة ليست طائرة عادية، بل لعنة معلقة في الهواء، تهيم فوق رؤوسنا ساعات وساعات، تراقب أنفاسنا، وتحصي خطواتنا».
يؤكد المؤلف في روايته «أرض لا تموت»، أن الحرب زادت مدينة غزة كما زادت أهلها، قوة، وجعلت أرضها ترفض الموت، وجعلت من شعبها، شعبا عنيدا وجبارا، يدافع بكل صمود عن نفسه، حتى يحافظ على حيويته ولياقته بشروط الحياة.«لكن، على الرغم من كل هذا الظلم، تبقى غزة حيّة في قلوبنا. تظل صرخاتها تتردد في كل زاوية من الأرض، تذكّرنا بأنه لا يمكن لأحد أن ينسى، لأن غزة مهما حاول العالم أن يمحوها، ستظل حيّة، صامدة، وقوية».
رواية الصحفي الفلسطيني الغزاوي، منيب أبو سعادة، إنما هي شهادة على صلابة الإرادة الشعبية في التمسّك بالأرض والتعلق بجذور القضية، حتى عودة الحق إلى أهله، مهما طال الزمن، ومهما إشتدّت الحرب، ومهما نالت من أبنائها الاعتداءات.«سنبقى هنا، على هذه الأرض، حتى يأتي يوم السلام الذي ننتظره، يوم سنعيش فيه بسلام، على هذه الأرض التي أعطتنا الحياة، وهي التي ستظل تمنحنا الأمل مهما كان الظلام حالكا. غزة لا تموت، ونحن هنا، على هذه الأرض، نبقى على قيد الحياة، نقاوم ونكتب، ونسجل كل لحظة من لحظات صمودنا».
أستاذ في الجامعة اللبنانية