بيروت - لبنان

اخر الأخبار

5 آذار 2026 12:15ص القضية الأساس.. والأمر المفعول

حجم الخط
عادت بي الذاكرة في هذه الأيام الكريمة إلى أيام رمضانية قاهرية لا تغيب ليالي حي الحسين وخان الخليلي وسور الأزبكية عن البال، وكيف في ساعات النهار والتي تسبق تناول الإفطار كنتً أقضي بعض الوقت متجولاً أمام المكتبات الشعبية المعروضة في الهواء الطلق على أرض سور الأزبكية والحافلة بكتب قديمة أو مؤلفات لم يُكتب لها حظ الموافقة على توزيعها من جانب الرقابة، وذلك قبْل الإنضمام إلى مجلس الصديق الراحل نجيب محفوظ يحكي بعض ما باتت مشاهد في رواياته. وأعود من التجوال المكتبي هذا حاملاً بعض الكتب التي نُشرت مِن قِبْل أن يصبح الفتى شاباً، وهي كتب يروي مؤلفوها من الوقائع ما إتضح لنا لاحقاً أنها تثري معرفتنا وتجعلنا نقف على رموز مراحل مضت كان العمل الوطني والسياسي فيها مجلِّياً. ومِن بين هذه المؤلفات التي عثرتُ عليها في تلك المكتبات الشعبية إنضمت إلى رفوف مكتبتي الحاوية الكثير من مؤلفات صدرت في الزمن الغابر كتاب بعنوان «حقائق عن قضية فلسطين» للسيد محمد أمين الحسيني «مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا» صادرة الطبعة الثانية منه عن مقر الهيئة في القاهرة عام 1956 ما يعني أن الطبعة الأولى نفَذت بحُكْم توق العرب عموماً إلى الوقوف على أحوال القضية الفلسطينية، حيث صرَّح الحسيني بتوثيق أحداث ومواقف تتصل بالقضية.
من الوقائع والأحداث قولاً أو فعلاً التي يتضمنها الكتاب، أو «كشْف الستار عن بعض المؤامرات الدولية اليهودية التي كانت مِن أهم الأسباب في كارثة فلسطين» ودور بريطانيا بالذات في قيام إسرائيل هذا قبْل عقود من بداية صحوة ضمير سجَّلها في منتهى الشجاعة رئيس وزراء بريطانيا الحالي ستارم من خلال إستجابته للتوجه السعودي الحازم في شأن قيام دولة فلسطينية. وما فعله ستارمر تمثَّل بإعلانه من أمام مقره الحكومي 10 داوننغ ستريت إعتراف بريطانيا العظمى بفلسطين المستصغَرة إلى حين من بعض دول العالم وبالذات مِن الولايات المتحدة.
تتجسد أسباب الكارثة التي كشف عنها الحاج أمين في أقوال قادة سياسيين بريطانيين مثْل ونستون تشرشل الذي ينسب إليه إعلانه مراراً «إنه يعتبر نفسه صهيونياً أصيلاً وأنه يصلِّي بحرارة لأجْل تحقيق أماني الصهيونية العظيمة». كما يتجسد بأقوال بعض قياديي «حزب العمال» في الأربعينات أمثال أتلي وبيفين ودالتون وموريسون وبيفان وجونز، وكذلك هارولد لاسكي وهو يهودي ومن أركان الحزب الذين إتخذوا وقفة في أكثر مؤتمرات الحزب خطورة تجاه قضية فلسطين (كانون الاول 1944) حيث إتخذ المؤتمر قراراً «بتحويل فلسطين إلى دولة يهودية وإخراج سكانها العرب منها إلى الأقطار المجاورة». ويعيد هذا المؤتمر إلى الأذهان كيف أن حاييم وايزمان إتفق مع الحكومة البريطانية على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها. كذلك التذكير بعبارة قالها دافيد بن غوريون (آذار 1942) أي قبْل سنتين من مؤتمر «حزب العمال» الآنف الذِكْر وهي «إن الصهيونية قد إنتهت مِن وضْع خطتها النهائية وهي أن تصبح فلسطين دولة يهودية وإن اليهود لا يستغنون عن أي قِسْم من فلسطين، حتى قمم الجبال وأعماق البحار» إلى جانب صورة في صحيفة تصدْر باللغة العربية وتمثّل الدكتور هرتزل زعيم الحركة الصهيونية واقفاً أمام المسجد الأقصى يدعو جموع اليهود إلى دخول الهيكل».
ويضيء الحاج أمين على كيف بدأ اليهود غزوتهم لفلسطين «بالتسلل تحت ستار الدين والتظاهر بأنهم إنما يريدون أن يكون لهم فيها وطن روحي فحسب وكانت طلائعهم في البدء  جماعات من العجزة والشيوخ...». ثم يرسم في مرحلة الأربعينات بالكلمات خريطة أحلام التوسع الذي حدَث بعضه على مدى أربعة عقود تلت وهنالك في المشروع الصهيوني بقية توسعات.. إلاَّ في حال حسَم الموقف الدولي الأمر مستقراً على قيام دولة فلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية وقد شطبت هذه الأخيرة أحلام التوسع وجعلت المنطقة تعيش بأمان وسلام.. وهذا أمر في اليد الأميركية تحقيقه.
تبقى الإشارة إلى أن الحاج أمين الحسيني رحل وهو في بيروت عن 69 سنة ودُفن في «مقبرة الشهداء» التي تحوي جثامين قادة فلسطينيين كان لبنان ميدان حراكهم. ويُحسب له أنه رمز بداية السعي الفلسطيني من أجْل القضية ثم يطورها مَن تلاه ياسر عرفات وجورج حبش والحماسيون كل بأسوب وبإنتماء وبصدمات. وها هي القضية الأساس المستعصية الحسم تُراوح مكانها إلى حين يقضي الله أمراً كان مفعولاً.