المرآة السياسية في لبنان
المرآة السياسية في لبنان، تأخذ الافراد والجماعات والطوائف بسلاسة الى الماضي، وتساعدهم على اسقاط كل ما يحدث اليوم على ما حدث قبل سنوات، وتسهم ايضا في انفصالهم عن الواقع، وتجنب مواجهة التحديات، انها لعنة لبنانية انتقلت إلى البعثات الدبلوماسية والإرساليات العلمية والدينية والى كل من شارك في تجربة نهوض لبنان الحديث، هؤلاء أصبحوا ايضا، يتنافسون مع اللبنانيين أنفسهم في التمتع بالمرآة السياسية والحديث عن ماضيهم.
اقتناء السيارات في لبنان إحدى الخصائص الوطنية، لان مرآة السيارة تؤكد على ضرورة النظر الى الوراء، وهكذا يملك كل لبناني مرآة يعيش من خلالها مع الاباء والاجداد، والمرآة السياسية تذكر بالحروب والنزاعات، وتتجاهل تجارب لبنان التحديثية، التي كانت نتائجها مبهرة في التعليم والصحة والاعلام والاحزاب والحريات، انها صفحات مشرقة سقطت جميعها امام سطوة المرآة السياسية التي تغلب الماضي على مستقبل الأجيال.
الحديث عن المرآة السياسية اليوم يتجاوز لبنان، الى مجتمعات الاقليم، التي آثرت احياء الماضي واشعال الحروب المدمرة، تقود هذه الحروب خرافات سياسية منتشرة لدى الاقوياء والضعفاء، وقد تحكمت بكل مكونات المنطقة، حتى وصلنا إلى أيام ننتظر فيها طائر الحمام، الذي يحمل في فمه غصن زيتون يبشرنا بالأمان، ويعيدنا الى بشرية بعد الطوفان.
الوقوف أمام المرآة لا يكشف وجوهنا فقط، بل يكشف علاقتنا بالماضي، بينما استشراف المستقبل يبدأ عندما نجرؤ على النظر إلى المجهول، وإلى اللامفكر فيه، وصياغة الأسئلة التي لا تتضمن إجابات مسبقة، والأمم التي تبني مستقبلها لا تقف أمام المرايا، بل تقف أمام الطموحات والامكانيات والضرورات والتحديات، المأساة اللبنانية ليست في كثرة الأزمات، بل في كثرة المرايا، فكل جماعة تمتلك مرآتها، وكل زعيم وكل فرد يمتلك مرآته، مما جعل من الذاكرة أقوى من الواقع، وأصبح الماضي هو الوطن الوحيد.






