بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 كانون الثاني 2026 12:30ص بارقة حل ترامبية للبنان والسودان

حجم الخط
ثمة ظاهرة لافتة وذات أكثر من معنى تتمثل في إختيار إدارة الرئيس دونالد ترمب ثلاثة من الدبلوماسيين لم يسبق لهم أن شغلوا المنصب الدبلوماسي الرسمي قبْل الولاية الرئاسية المستجَدة والتي كان فوزه بها نقطة تحوُّل جذري في التعامل الأميركي مع دول العالم وبالذات الأنظمة التي لا يرتاح الرئيس ترمب لها. والمصادفة أن الثلاثة لبنانيو الأصل باتوا بحُكم الهجرة إلى بلاد العم سام أميركيين شأنهم في ذلك شأن أكثرية المسؤولين الذين تعاقبوا على إشغال مناصب رسمية في الدولة الأميركية، حيث نجد هذا من أصل إيرلندي وذاك من أصل إيطالي وأولئك وهم كثرة متنوعي الأصول إسبانية - أفريقية – فرنسية – عربية، لكنهم في رحاب الوطن الثاني على درجة من الإخلاص والوفاء في ظل إدارات تتبدل حيث ذات إنتخاب يكون التنافس  بين الحزبين عالي التحدي وبحيث ينال «الديمقراطي» الفوز وذات إنتخاب آخر من نصيب «الجمهوري» مع ملاحظة أن عودة دونالد ترمب إلى كرسي الرئاسة هازماً كمالا هاريس (الحزب الديمقراطي) التي بذل الرئيس جو بايدن الكثير من الجهد لكي تفوز، كانت اللحظة المنتظَرة التي جعلت ترمب الذي لا ينسى خسرانه تجديد الرئاسة إختطفها منه الرئيس جو بايدن يسدد غضبه عليه بأقوال هازئة وتصرفات غير مألوفة مثل إسقاط صورته (على جدار في البيت الأبيض وذلك للمرة الأولى حدوث هذا التزيين) إلى جانب صوَر الذين ترأسوا الولايات المتحدة من أولهم جورج واشنطن (من 1789 إلى 1797) إلى السادس الأربعين قاذفاً مهابة الرئيس السلَف (جو بايدن). وفي حال قيِّض ﻟ «الحزب الديمقراطي» أن يخلُف ترمب، ستعاد الصورة إياها إلى حيث مكانها في تسلسل رؤساء الولايات المتحدة وبأمل عدم الرد بالمثل أي تُزال صورة الرئيس ترمب على غرار إزالة صورة الرئيس بايدن.
الدبلوماسيون الثلاثة الذين أسندت إدارة الرئيس ترمب إليهم مهمة بالغة الصعوبة هي ترويض الصراعات في لبنان وسوريا ومعهما السودان كانوا طوم براك الذي طرح ضم لبنان إلى سوريا  في ذروة التعقيدات التي يعيشها النظام اللبناني ومن إفرازاتها عقدة السلاح الإيراني لدى «حزب الله» والإشتباك السياسي اللبناني رسمياً وأحزابياً في شأنه، ثم ما هو الأكثر خطورة أن الإعتداءات الإسرائيلية يومية على مناطق في الجنوب والبقاع وبعض بلدات منطقة بعلبك – الهرمل. وبموازاة هذه الأوضاع التي مدعاة خيبة المواطن من رئاساته وحكومته المتعاقبة على مدى أربعة عقود، هنالك الحالات المغلَّفة بأنواع من الفساد من بينها الكهرباء غير المتوفرة على مدى عشر سنين وميناء العاصمة التي فجروا صوامعه المحشوة مواد كيميائية لحساب الغير، وكان التفجير من حيث الدوي وسواد بعض سماء العاصمة بيروت صاعقاً إلى جانب سقوط مئات الضحايا والجرحى  والمحروقة وجوههم، وهو تفجير تكممت أفواه الفاعلين كما العارفين كما المنفِّذين فحدثت متاهة شبيهة بتلك التي نشأت عن تفجير رجل الدولة الإصلاحي رفيق الحريري.
وتكليف مبعوثين أميركان أمر مألوف بدءاً بعميدهم هنري كيسينجر أواخر الستينات. لكن ما هو خارج المألوف أن الدبلوماسيين الثلاثة على نحو ما أوردْنا لبنانيو الأصل ويحملون الجواز الأميركي، شأنهم شأن أي مواطن أصيل.
بداية وفي أحدث التكليفات هنالك فيليب حبيب الذي أثمر تكليفه بعد الغزو الإسرائيلي للبنان مطلع الثمانينات إنجاز إتفاق بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية أوقف تبادُل النار العرفاتية من لبنان والرد الإسرائيلي عليها والذي تطور بحيث كانت بيروت أول عاصمة عربية تصل إليها براً وجواً قوات إسرائيلية التي قصفت جواً مناطق في العاصمة وما زالت إلى الآن تعتدي على مناطق في جنوب لبنان.
فيليب حبيب هو فاتحة إسناد الإدارة الأميركية مهمات دبلوماسية على درجة من التعقيد، وهو مثْل معظم الذين لم يولدوا في لبنان ثم يهاجرون إلى الولايات المتحدة، فقد وُلد في نيويورك وما يربطه بلبنان هو والده المهاجر إلى بلاد العم سام. لكن مشاعر الأصل والفصل والنسب والحسب تبقى حاضرة في الوجدان. ومن أجْل ذلك رأيْنا فيليب حبيب في مسعاه اللبناني – الفلسطيني – الإسرائيلي يرى بذرة الشجرة التي نبتت في لبنان متمثلة بوالده حاضرة في حراكه مع ولاء مطلق للدور الرسمي المكلَّف به من إدارة الرئيس الأربعين رونالد ريغان الذي كرَّمه بمنْحه «ميدالية الحرية» يقدِّمها رئيس الولايات المتحدة لمن أبلوا المهمات الصعبة وتحققت بالنجاح.
الدبلوماسيون الأميركيون الثلاثة الذين تتجسد بهم الظاهرة اللافتة هم مسعد بولس الذي إختاره ترمب لإنجاز حققه ولمصاهرة تزامنت مع الإنجاز متمثلة بزواج مايكل نجل مسعد بولس من تيفاني إبنة الرئيس ترمب من زوجته الأولى، وهو زواج بدأ بإستلطاف متبادَل من جانب الإثنين خلال مناسبة إجتماعية في جزيرة يونانية. وأما الإنجاز الذي حققه مسعد بولس فهو تحفيز ناخبيه من أصل عربي ومسلم نسبة اللبنانيين من الجنوب وازنة في ولاية «ميشيغان»، وهو تحفيز أحدَث تحولاً في هذه الولاية التي يعوَّل الحزب الديمقراطي عليها وجاءت لصالح ترمب وتُحقق له مع مفاجاءات إنتخابية أُخرى الفوز المبهر. وكان «توسيم» الرئيس ترمب بعد فترة  من الترؤس تعيين مسعد بولس اللبناني الأرثوذكسي المولود في بلدة «كفرعقا» مستشاراً له للشؤون العربية وشؤون الشرق الأوسط، ثم يكلِّفه بالمهمة الأكثر تعقيداً وهي الملف السوداني بما يتضمنه من تعقيدات لعل أهمها العلاقة السودانية مع الرئيس فلاديمير بوتين والتي لم تكتمل إستقراراً، فضلاً عن الإحتراب الجنرالي في السودان الذي على أهبة دخوله العام الرابع ولا في الأفق بوادر إقتناع ومرونة لتسوية بدليل أن أحدث تصريحات الجنرال البرهان عقْب صلاة الجمعة بأن حربه على شريكه في زمن الوفاق الجنرال حميدتي «لن تنتهي إلاَّ بإنهاء تمرد قوات الدعم السريع» وداعمي رفيق السلاح حميدتي، لكن الرئيس ترمب يأمل من مستشاره حلاً مماثلاً لمعضلة سبق أن حققها بجدارة فيليب حبيب في زمن الرئيس ريغان.
ما هو أكثر لفتاً في إسناد إدارة الرئيس ترمب إلى أصدقاء له من أصول لبنانية كان تعيين ميشال عيسى المصرفي والخبير المالي وفي التجارة الدولية سفيراً لدى لبنان، وهو تعيين تفاءل اللبنانيون خيراً به من أبناء الوطن (مواليد بلدة بسوس قضاء بعبدا حيث مقر الرئاسة اللبنانية ووزارة الدفاع والجار للضاحية الجنوبية من بيروت) يخاطبهم باللغة العربية وبالفرنسية التي يتقنها إذا تطلَّب الأمر ذلك،  وهذا لأن كثرة من اللبنانيين تُرفق الحديث بالعربية بكلمات فرنسية. وما يستوجب التقدير للسفير الأميركي – اللبناني أنه بدأ نشاطه بالحالتيْن الأكثر إيلاماً للبنانيين وهما الكهرباء المغيَّبة عنهم بفعل الفساد حيث بدأ نشاطه بزيارة الشركة ووقَف على حالها بأمل أن يكهرب اللبنانيين، ثم بإطلالة على مرفا بيروت علَّه بما يملك من علاقة نوعية مع صديقه الرئيس ترمب يحسم سر التكتيم على تلك الفاجعة التي لم تُحقق إطلالة سابقة عليها من جانب الرئيس إيمانويل ماكرون.
 ما يتمناه اللبنانيون كما السودانيون أن تُحقق مهمة كل من مسعد بولس وميشال عيسى ما يريده الرئيس ترمب منهما ... ويتمناه بطبيعة الحال الشعب اللبناني والشعب السوداني. وعندها يُنهي السعي بالتدرج شرور الصراع والإحتراب.