للدكتور محمد علي ضناوي ( )
قبل استشهاد الحسين بن علي ، حفيدِ رسول الله ، كان المسلمون يعرفون «عاشوراء» بأنه يومُ انتصارِ الإيمان على الكفر، والحق على الباطل، واستعلاء المؤمنين على الكافرين. فقد أخبرهم النبي بأنه يوم نجّى الله فيه نبيه موسى ، فشقَّ له البحر طريقاً يبساً، بينما غرق فيه الطاغية المتألِّه فرعون مع جنوده، ثم أن الموج لفظه فورا إلى الشاطئ وحيداً، فكان عبرةً لأهلِ زمانه ولكل زمن آتٍ.
صام النبي عاشوراء، شكراً لله على نصره نبيه الرائد موسى ، ونصح من يصوم عاشوراء من المسلمين أن يصوم معه أحد يومي التاسع أو الحادي عشر من المحرم مخالفةً لليهود، وزيادةً في شكر الله سبحانه وتعالى، رجاءَ انتصارات أخرى تتحقق على مدى التاريخ... وبهذا، غدا يوم عاشوراء، عند المسلمين، يومَ فرح ٍوحُبُور، ويومَ توسعة على الناس، ويومَ شكر على نصر الأنبياء وعباد الله الصالحين، على مرِّ الأزمنة والدهور.
شاء الله سبحانه، كما سبق في علمه، أن يتقاتل المسلمون بعد الخلافة الراشدة، وأن يُصرع الحسينُ فيخرّ شهيداً في كربلاء، وقد تخلى عنه مناصروه وخذلوه!! فشكَّل استشهاد الحسين ضربة موجعة لأمة الإسلام، في ذلك الحين، وبات يوم حزن وعارٍ، يُذكّرنا بخزيِ التخلّي عنه من قِبَل أنصاره، وأيضاً، بعار تقاتل المسلمين فيما بينهم!!.
***
هناك إذن، مشهدان لعاشوراء في التاريخ متعاكسان ومتناقضان: مشهدُ نصرٍ وفرحٍ وشكر، ومشهدُ ندمٍ وحزن واستغفار. كلا المشهدين انقضيا، ومعهما الذين كانوا فيهما وما كسبت أيديهم. ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) البقرة.
كما أنَّ ترْكَ بعض المسلمين، في فترات من التاريخ، مضمونَ ذاك المبدأ الرباني الخالد الذي أشارت اليه الآية، سبَّب ويسبِّب استمرار الشرخ الكبير في الجسد الإسلامي. غير أن الرؤية الواجبة اليوم، خاصةً في هذا الوقت العصيب، وقد تكالبت علينا الأمم كما تداعت الصهيونية بقهرها وكيدها وإرهابها ومعها الذين يدعمونها، تُلْزِمنا أن نرى بعينين لا بعين واحدة، فندرك معاً أنّ الحسين قائد بطل، وهو لجميع المسلمين وليس لفئةٍ دون أخرى، هو شهيد الأمة بأسرها، شهيد المسلمين لأي مذهب انتموا. وكلُّ قولٍ آخر يجعل الحسين في موقع لا يريده، وفي خانة يرفضها، وتترتب عليها إساءة كبيرة للبطل الشهيد، وإلى تراثه المحمدي الإسلامي الطاهر الزكي، كما أمه وأبيه عليهما رضى الله وسلامه، وأيضاً إلى جده الأكرم . وهو ما يرفضه الحسين ويرفضه الإسلام ويرفضه كل عاقل حر.
***
علينا أن نفهم بإيجابية متفتحة وبوعي بصير، أن حركة الحسين هدفت إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعلى كل من يحبُّ الحسين وأهل بيت النبي من المسلمين (سنة وشيعة)، أن يعملوا على تشذيب سيرته من الشوائب التي أُلحقَتْ بها، ومن تخيلات أضيفت عليها، وأن نتعامل معها بميزان شرعي إسلامي مستنير، فنستظل، إلى الأبد، بالموقف الرائد الذي أطلقته آية سورة البقرة السالف ذكرها (تلكَ أمةٌ قد خلَتْ)، مؤكدين اعتزازنا بسيد الشهداء "الحسين" سيد شباب أهل الجنة، مع أخيه الحسن رضي الله عنهما، وهما ريحانتا النبي الأمين وحبيباه وحبيبا كل مسلمٍ محبٍ لرسول الله ولأهل بيته الكرام، فمن أبغضهما أبغض رسولَ الله نفسَه! وحاشا لمسلم عاقلٍ أن يفعل ذلك.
***
إنَّ مشهدَيّ عاشوراء التاريخيين «المتناقضين»، يجب أن يرتبطا دوماً باستخلاص الدروس والعبر، على ألا يُبنى بموقف يتسبب بتجدد الخصومة بين المسلمين، خاصةً بعد انقضاء قرون طويلة من القيل والقال، و"الخصومات" غير المبررة وغير الجائزة شرعاً، بما في ذلك تمثيل المشهد "الحسيني" وكأنه واقع مستجد، تتجدد معه الأحزان وتُنكأ فيه الجراح، وما هو أشد. بل علينا إن كنا أوفياء للحسين البطل، أن نتمثل بطولته وشهادته، فنعلن بكل جرأة أن كل فُرْقَةٍ بين المسلمين شر، وكلَّ خلافٍ مُصطنع أو مُتعمد أو مدفوع إليه منبوذ من الله سبحانه ومرفوضٌ من عباده المؤمنين. فأمَّة الإسلام واحدة، وعلى شعوبها نبذ الفُرْقَة والاختلاف، وعلى مذاهبها التوحُّد على الله سبحانه وعلى كتابه وسنة نبيّه ، وايضاً الالتزام بمِنهج خلفائه الراشدين وصحابته الأبرار.
***
أرى «الحسين» ــ حفيدَ النبي العظيم ــ يتململ في قبره المنير، يصرخ في محبيه لأيِّ مذهب انتسبوا، أنْ كُفّوا عن اللعب بالنار، وأفيئوا إلى الأخوّة والسلام، فالمؤمنون إخوة شاء من شاء وأبى من أبى، لكن ( وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المائدة 8). وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ((الأنعام 152).
فهل من يصغي السمع اليه ويلتزم الطريق؟!
ما نرجوه، أن تأتي ذكرى عاشوراءُ في عام وأو أعوام قادمة، تكون عاشوراءَ الفرحِ بوحدة المسلمين ونبذ الخلاف وبتحرير غزة والضفة وكل فلسطين وما احتل من جنوب لبنان من جديد... لكن يبقى السؤال الصعب الهيِّن (متى يكون؟).
حُلُمٌ نراه.. أم هو إرادة تتجسد عما قريب؟ سؤال نرفعه، بأمل، إلى مَنْ بيده الأمرُ والفصلُ والوفاق والاختلاف
(إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) (سورة العاديات)
(إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) (سورة فاطر).
وإنا لمنتظرون... نعم منتظرون... ولن نملّ، ولن نكلّ، فبعهد الله أوفوا... وعلى الله توكلوا.