يمرُّ لبنان في فترة سياسية صعبة تنعكس سلبا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. في السياسة وبالرغم من ثقة أكثرية اللبنانيين الكبيرة بالفريق السياسي الذي يدير الدولة وبالتالي سيقوم بالتفاوض المباشر مع اسرائيل، الا أن مهمات بهذا الحجم تتطلب الكثير من الحكمة والرؤية وأهم شيء دعم المواطنين لها حتى تنجح. لبنان خسر الكثير والقتال دون رؤية لا فائدة منه، وهنا تكمن شجاعة القرار أي قرار التفاوض حتى تحقيق أفضل النتائج للبنان. من الحكمة القول أن لبنان لا يمكن أن يحقق بالعنف نتائج أفضل من التي يحتمل أن يحققها بالمفاوضات المنطقية والشاملة. تأجيل الانتخابات النيابية وإن كان مفهوما لا يمكن أن يشكل عنصر اعجاب بالأوضاع الحالية خاصة وأننا نتخذ قرارات مشابهة بين كل فترة أو أخرى بحجج أو أخرى. حان لنا أن نأخذ المواعيد، كل المواعيد، بجدية وجرأة ونحترمها مهما كانت الصعوبات.
سياسياً، يمر لبنان بمرحلة دقيقة تتطلب الدقة في القيادة وهذا ما نتوقعه في الفترات الزمنية القادمة. الصراع اللبناني الاسرائيلي يأخذ الكثير من الطاقات الموجودة والمحتملة ويساهم في هدر قسم كبير من عزيمتنا، اذ للوقت قيمة وللخسائر قيمة أيضا خاصة وأن التعويض عنها صعب بل غير ممكن في معظم الأحيان. يتأثر لبنان بالعديد من المواجهات والصراعات الحالية أهمها ثلاث، أولا الصراع الثنائي مع اسرائيل، ثانيا الصراع الايراني الأميركي وثالثا الصراع الأميركي الصيني وما له من تأثيرات اقتصادية كبرى على العالم ومن بينه لبنان.
هنالك صراعات تؤثر على لبنان أهمها ما يحصل من مواجهات بيننا وبين اسرائيل لا تقتصر فقط على العنف، انما تؤثر على الواقع السياسي وما يتبعه من اقتصاد واجتماع. في السياسة وفي وقت يحتاج لبنان خلاله الى كل الجهود للنهوض بأوضاعه نرى أن كل امكاناتنا تهدر في مواجهات كان يمكن تجنبها. في هذا الوقت يخسر لبنان طاقاته المادية والبشرية والنظر الى أي مؤشر علمي اقليمي أو دولي، نرى أننا نقع في أسفل السلم. في الاقتصاد، كل القطاعات في لبنان تحتاج الى الاستثمار من قبل القطاعين العام والخاص. لن تأتي الاستثمارات عندما يكون هنالك شك في أن الأوضاع ستبقى سيئة أو تسؤ أكثر من جديد. فالمستثمر ليس انتحاريا ويريد أن يجني الأرباح المالية والاجتماعية. في كافة القطاعات الاجتماعية، تبدو بوضوح المعاناة التي تظهر في التربية والصحة والشؤون بمختلف أقسامها مع أعداد هائلة من النازحين تعاني كثيرا. في البنية التحتية، هل هنالك أمل اليوم في تحسين الاداء الكهربائي والمائي وفي غيرهما من القطاعات. من يسلك طريق بيروت البقاع مثلا يرى كم تحتاج طرقنا الى الصيانة والترميم وبعض البناء حتى تصبح سالكة بأدنى المعايير الممكنة. في صراعنا مع اسرائيل المستمر منذ عقود حان لنا أن نفكر أقله في تخفيف الخسائر.
أما الصراع الأميركي الايراني، فله جوانب عدة منها سياسية وأخرى اقتصادية وعسكرية. فالنووي هو جزء من الصراع لكن امكانية السيطرة على قرارات دول المنطقة هي في غاية الأهمية. من الطبيعي القول أن ايران ستقاتل حتى النهاية خاصة اذا طلب منها الاستسلام. من الطبيعي أن تهتم أميركا ليس فقط بالفوزين السياسي والعسكري، وانما خاصة بالانعكاس على الأسواق النفطية والمالية الدولية. ارتفاع سعر برميل النفط نتيجة الحرب يؤثر سلبا على معيشة الأميركي وعلى تكلفة الانتاج في الداخل وهذا ما يحاول الرئيس ترامب تجنبه قبل الانتخابات البرلمانية النصفية. الوقت يحشر الطرفين ولا بد من نتائج تحسم الخلاف بالتفاوض أفضل بكثير من العنف والقتل والدمار. عدم قدرة الرئيس ترامب عللى حسم الصراع مع ايران ربما يفسر اعطائه الاهتمام غير العادي للوضع اللبناني لعله يستطيع تحقيق انتصار خرق سياسي في أوضاعنا التي ربما تكون أكثر تعقيدا من الوضع الايراني الداخلي بما فيه النووي.
أما الصراع الأميركي الصيني المستمر والذي يشتعل من وقت لآخر نتيجة اقفال مضيق هرمز واحتمال اقفال باب المندب، فلا بد وأن تكون تأثيراته كبيرة على النمو الاقتصادي العالمي والعلاقات بين الدول وبالتالي على الاستقرار العالمي. تلعب الصين اليوم دور المتفرج على الصراعات الحية القائمة، لكن عيون العالم عليها وهنالك حذر كبير تجاه ما يمكن أن تصبح عليه في العقد القادم خاصة وانها تمتلك الامكانات العلمية والمالية المطلوبة. فالصناعات الصينية تتحسن وأصبحت مطلوبة عالميا. لنأخذ مثال عليها السيارات الكهربائية التي يرغب بها المستهلك العالمي وخاصة المستهلك الخليجي وحتى العربي. في التكنولوجيا هنالك تقدم واضح في كافة القطاعات انعكس نموا قدره 4,5% في الربع الأول من هذه السنة في وقت كان العالم أجمع يغرق في حروب الشرق الأوسط وانعكاساتها النفطية والاقتصادية. فالصين فعلاً جبار كبير يتقدم بخطى ثابتة ومن لا يتابعه يتأخر ويخسر. علينا في لبنان أن نقوي علاقاتنا الاقتصادية مع الصين وعليها أن تسهل اعطاء التأشيرات للعلماء اللبنانيين والعرب حتى يستفيدوا من الجبار الصيني ويفيدوه في نفس الوقت.