تشهد وتيرة التهديدات الأميركية ضد إيران تصاعدًا ملحوظًا، مع التلويح بالعودة إلى الخيار العسكري في حال فشل تحقيق خرق على طاولة المفاوضات في إسلام آباد. وعلى خط موازٍ، عادت إيران لتطلق صواريخها باتجاه الإمارات، في رسالة واضحة تؤكد استعدادها لخوض جولة قتالية جديدة. عُرفت الثقافة الإيرانية تاريخيًا بالصبر والعمل الدؤوب، وهي سمات تنعكس في قدرتها على تحمّل الضغوط الطويلة. في المقابل، يشكّل عامل الوقت ضغطًا سلبيًا على الولايات المتحدة، لا سيما مع اقتراب الانتخابات النصفية، حيث يسعى الرئيس الأميركي إلى تحقيق مكاسب في الشرق الأوسط تعزز موقعه السياسي.
من جهة أخرى، يتحمّل النظام الإيراني تبعات حصار اقتصادي قاسٍ، أفرز أزمة معيشية خانقة. ومع ذلك، يعتبر الصمود، مهما بلغت كلفته، على حساب شعبه، شكلًا من أشكال الانتصار السياسي.
في المقابل، تخضع الإدارة الأميركية لمحاسبة صارمة من الكونغرس والرأي العام، الذي بدأ يضيق ذرعًا بتداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسعار المحروقات والسلع الأساسية، دون تحقيق الأهداف المعلنة، سواءٌ بتغيير سلوك النظام الإيراني أو فرض شروط تفاوضية حاسمة.
في ضوء ذلك، يرى بعض المراقبين أن هذا التصعيد قد يكون تمهيدًا لمرحلة جدية من التفاهم. لكن تبقى الأسئلة الجوهرية قائمة: ما هي شروط هذا التفاهم؟ وعلى أي ملفات سترسم خطوط الالتقاء أو الاختلاف؟ وما هو مصير حزب الله ضمن هذه الترتيبات؟ هل سيكون جزءًا من أي اتفاق محتمل، أم سيُترك لمصيره مع منح إسرائيل هامش حركة أوسع لضمان أمن حدودها؟
في هذا السياق، يبرز سؤال أساسي حول مصلحة حزب الله: هل تكمن في الاستمرار في حالة العزلة التي فرضها على نفسه وعلى قاعدته الشعبية، عبر تصعيد الخطاب السياسي وحملات التخوين والتوتر الداخلي؟ أم أن مصلحته تقتضي إعادة التموضع ضمن إطار الدولة اللبنانية، التي رغم ضعف إمكاناتها تبقى الجهة الوحيدة القادرة على احتضان جميع مواطنيها وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار؟
لقد أثبتت الدولة، رغم أزماتها، قدرتها على إدارة ملفات حساسة، من التفاوض لتحرير الأراضي إلى السعي لإعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى قراهم. ومن هنا، فإن العودة إلى منطق الدولة قد تفتح الباب أمام استقرار طويل الأمد، بدل الانخراط في مواجهات مفتوحة قد تقوِّض ما تحقق سابقًا.
إن قراءة المتغيرات الإقليمية والدولية تشير إلى لحظة مفصلية، حيث يتقاطع إجماع عربي وغربي على ضرورة تحييد لبنان وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل بشكل مستدام، بما يحفظ سيادة البلاد ووحدة أراضيها. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تغليب منطق الواقعية السياسية، كما قال هنري كيسنجر: «السياسة ليست فنّ تحقيق المثاليات، بل فنّ تحقيق الممكن». وعليه، يبقى السؤال: هل سيغامر حزب الله بمكتسباته التاريخية عبر تصعيد غير محسوب، أم سيتجه نحو خيارات وطنية تحمي تاريخه وتؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار؟.