نوال أبو حيدر
مع وصول الحكومة الجديدة، حملت معها شعار وضع خطط طوارئ لجميع القطاعات لضمان استقرار الخدمات وحماية المواطنين. إلا أن الواقع على الأرض يختلف بشكل صارخ، خصوصا في قطاع الطاقة، الذي لم يشهد أي خطوات فعلية لتطبيق هذه الخطط. ما يحدث اليوم في مختلف المناطق اللبنانية من انقطاع متكرر للكهرباء وفوضى في التغذية هو أكبر دليل على أن وعد الحكومة لم يترجم إلى إجراءات عملية، تاركا المواطنين يدفعون ثمن الإهمال وسط أزمة طاحنة في الكهرباء.
ولا شك أن لبنان يواجه في المرحلة الراهنة واحدة من أعقد وأشد الأزمات المعيشية، حيث تتشابك التداعيات الاقتصادية مع التوترات الأمنية والحرب القائمة، لتنعكس بشكل مباشر على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع الطاقة. فمع استمرار الانهيار المالي وارتفاع أسعار النفط عالميا، ازداد الضغط على البنية التحتية الهشة أصلا، ما أدى إلى تفاقم أزمة الكهرباء التي يعاني منها اللبنانيون منذ سنوات طويلة.
وفي ظل العجز المزمن الذي تعاني منه مؤسسة كهرباء لبنان عن تأمين التيار الكهربائي بشكل مستقر ومنتظم، باتت المولدات الخاصة تشكل البديل شبه الوحيد لتغطية حاجات المواطنين والمؤسسات. إلا أن هذا البديل، الذي كان يُنظر إليه سابقا كحل مؤقت، تحول اليوم إلى عبء إضافي يثقل كاهل اللبنانيين، خصوصا مع الارتفاع الحاد في كلفة تشغيله نتيجة زيادة أسعار المازوت.
كما أن الظروف الأمنية والحرب الجارية أسهمت في تعقيد المشهد أكثر، إذ أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد وصعوبة نقل المحروقات إلى مختلف المناطق، فضلا عن تزايد المخاطر التي يواجهها أصحاب المولدات، ما دفع بعضهم إلى تقليص ساعات التغذية أو حتى التوقف عن العمل. ونتيجة لذلك، يعيش المواطنون حالة من التقنين، ما يؤثر سلبا على حياتهم اليومية وعلى مختلف الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
وأمام هذا الواقع، لم تعد أزمة الكهرباء في لبنان مجرد خلل تقني أو إداري، بل تحولت إلى أزمة بنيوية مركبة تعكس عمق الانهيار الذي يعيشه البلد، حيث باتت المولدات الخاصة جزءا من المشكلة بدل أن تكون حلا فعّالا لها، في ظل غياب حلول مستدامة وسياسات إصلاحية قادرة على إنقاذ هذا القطاع الحيوي، وتأكيد على أن خطط الطوارئ الحكومية بقيت حبرا على ورق.
المولدات بين الغلاء والإهمال
من هذا المنطلق، يؤكد رئيس تجمع أصحاب المولدات الخاصة، عبدو سعادة، لصحيفة «اللواء»، أن «الأزمة الحقيقية في قطاع الكهرباء لا تتوقف عند ارتفاع كلفة التشغيل، بل تتعلق أساسا بسوء إدارة القطاع»، معتبرا أنه «على وزير الطاقة تأمين الكهرباء، ونحن وُجدنا لمساعدتهم، لكن الواقع انقلب، وأصبحنا نحن من يحتاج إلى الدعم اليوم».
ويشير إلى أن «الأزمة الحالية تتركز حول التسعيرة المجحفة بحق المولدات، التي لا تأخذ بعين الاعتبار الصيانة، والزيوت، والفلاتر، وقطع الغيار»، مؤكدا أن «ملف المازوت أيضا لم يعط المولدات حقوقها الكاملة، ما يزيد الضغوط على أصحاب المولدات ويهدد استمرار تغذية المواطنين بالكهرباء».
المولدات تصرخ… ووزارة الطاقة صامتة!
وفي سياق متصل، يوضح سعادة، أن «التقنين الحالي جاء بهدف التخفيف عن المواطنين وتقليل الخسائر على المولدات. إذ ان معظم المناطق اللبنانية بدأت بالتقنين لترحم الناس من الفاتورة بالدرجة الأولى، وبالدرجة الثانية لتخفيف الخسائر علينا نحن كأصحاب مولدات. وبطبيعة الحال نحن اليوم نخدم المواطن اللبناني، ولا نسعى إلى الأرباح خلال فترة الحرب، بل نفكر في كيفية تأمين الكلفة».
ويشير إلى أن «أسعار المحروقات مرتفعة جدا، في وقت يغيب فيه التيار الكهربائي عن معظم المناطق، عليه، المسؤولية تقع كاملة على عاتق وزير الطاقة الغائب عن اي تواصل معنا».
وأمام كل تلك المعطيات، يطالب سعادة «باستقالة الوزير، محذرا من أن استمرار السياسات الحالية قد يدفع البلاد نحو عتمة شاملة وكسر قطاع المولدات بالكامل».
المولدات والمواطن… معاناة مزدوجة في عتمة لبنان
وفي خضم هذه الأحداث، يعتبر سعادة أن «هذه الأزمة تعتبر ضربا مزدوجا لكل من أصحاب المولدات والمواطن اللبناني، إذ لم تعد مجرد مسألة ارتفاع أسعار أو كلفة تشغيل، بل أصبحت انعكاسا لأزمة هيكلية في قطاع الطاقة. إذ ان أصحاب المولدات يجدون أنفسهم مضطرين لتقنين التغذية لتغطية الخسائر، في وقت يعتمد فيه المواطنون عليهم بشكل شبه كامل لسد حاجة من الكهرباء الأساسية، ما يجعل الأزمة تؤثر على جميع الأطراف بلا استثناء».
لبنان على شفير العتمة؟
من هنا، يحذر رئيس تجمع أصحاب المولدات الخاصة، من أن «قطاع المولدات بخطر كبير، والمواطن معرض للجلوس في العتمة، والوزارة المختصة غائبة عن الوعي ما يضاعف المخاطر على الجميع ويهدد استمرار تغذية اللبنانيين بالكهرباء».
أمبير أو إثنان… حرب اللبناني على العتمة
في خلاصة حديثه، يقول سعادة أن «أصحاب المولدات ليسوا متسلطين على المواطن، بل يقفون الى جانبه في أصعب الظروف».
ويختم: «اليوم يَطلب اللبناني أمبيرا أو اثنين فقط بسبب الوضع الراهن وارتفاع التسعيرة ونحن ملتزمون بتلبية كل الطلبات لضمان ألا يبقى أي منزل لبناني في العتمة».
المواطنون يفضحون الأزمة…
وعبر مقابلات ميدانية أجريناها مع عدد من اللبنانيين من مختلف المناطق، الذين تحدثوا عن واقعهم اليومي مع أزمة الكهرباء والمولدات الخاصة. يؤكد الجميع أن فواتير الكهرباء والمولدات ارتفعت بشكل قياسي، وأن الكثيرين أصبحوا غير قادرين على الاستمرار في تغطية هذه التكاليف الباهظة.
إذ تقول إحدى المواطنات من بيروت: «فاتورة المولدات أصبحت مرتفعة جدا نسبة للراتب الذي نتقاضاه، ولا أعرف كيف سنستمر على هذا الوضع. الظروف الاقتصادية أثرت علينا من كل حدب وصوب».
وفي المتن الشمالي، يعرب أحد السكان عن إحباطه: «نحن ندفع ثمن الإهمال والتقصير، ولا نجد أي دعم من الدولة، وكل يوم نعيش في قلق من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار».
في المحصلة، وفي ظل الفوضى المستمرة والعجز المتراكم، يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف، يتحمل ضغوطا متزايدة ويصارع تحديات يومه بصعوبة بالغة، بين غياب الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف المعيشة. وإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن انقطاع الكهرباء لن يقتصر على فقدان التيار فحسب، بل سيتحول إلى رمز لفشل طويل الأمد في إدارة الدولة وقطاعها الحيوي، حيث تتراجع المسؤوليات الرسمية تدريجيا، ويُترك الناس لمواجهة حياتهم اليومية بمفردهم، بلا حماية أو دعم، وسط شعور متزايد بالعجز واليأس.