أمضى العالم العربي نصف قرن مِن المقاطعة لإسرائيل. في البداية كانت قرارات المقاطعة حاسمة وكان الإلتزام بها واجباً لا مجال لدولة عربية للخروج عن قرارات المقاطعة.
وبعد حدوث إختراقات ذات طابع تجاري تغطي هذا التعامل مع إسرائيل، بات لا بد من توثيق المقاطعة عند إنعقاد القمة العربية. ولقد تنوعت طبيعة المقاطعة وبلغت ذروتها في فقرة حاسمة مِن البيان الختامي لمؤتمر القمة الذي عُقد في الخرطوم (1. 9. 1967) وتضمَّن الآتي:
«إتفق الملوك والرؤساء على توحيد جهودهم في العمل السياسي على الصعيد الدولي والدبلوماسي لإزالة آثار العدوان وتأمين إنسحاب القوات الإسرائيلية المعتدية من الأراضي العربية المحتلة بعد عدوان 5 يونيو/ حزيران 1967 وذلك في نطاق المبادئ الأساسية التي تلتزم بها الدول العربية، وهي عدم الصلح مع إسرائيل أو الإعتراف بها وعدم التفاوض معها والتمسك بحق الشعب الفلسطيني في وطنه».
ثم تلا ذلك ما صدر عن القمة العربية التاسعة (بغداد 2 تشرين الثاني 1985) وتضمَّن أحد قرارات بيانها الختامي: «يؤكد المؤتمر ضرورة التمسك بأنظمة المقاطعة العربية وإحكام تطبيق بنودها وإحباط أي محاولة للإلتفاف عليها...».
شكَّلت الخطوة التي إتخذها الرئيس أنور السادات مِن خلال زيارة مباغتة إلى إسرائيل وإلقائه يوم 20 تشرين الثاني 1977 خطاباً في الكنيست تمحور حول أهمية السلام وإنهاء الحروب، ما يشبه طي متدرج لقرارات المقاطعة، بدليل أن العداوة العربية لإسرائيل بدأت تشهد إختراقات وصلت إلى مداها في أن دولاً عربية بدأت التفكير بتطبيع العلاقات مع إسرائيل وعلى نحو ما حصل مِن جانب المملكة المغربية وتحفيز الملك الحسن الثاني لإستبدال الصراع العربي مع إسرائيل بالتفاهم على التعايش وعلى قاعدة لكل صاحب حق حقه. وصاحب الحق هنا هو الفلسطيني المشتِّت لاجئاً في لبنان وبعض الدول العربية. لم تأخذ إسرائيل بما أراده العاهل المغربي رحمة الله عليه.
ثم تأتي القمة العربية (27 آذار 2002 في بيروت) وكان المقرر عقْدها في أبو ظبي لكن الشيخ زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات (رحمة الله عليه) جيَّرها إلى بيروت لكي يشكِّل إنعقادها دعماً للبنان الخارج من تداعيات حرب 1975 والبادىء في عهدة حكومة يترأسها رفيق الحريري.
ولقد أفتت هذه القمة إذا جاز القول من خلال الموافقة بالإجماع على قرارها القاضي ﺒ «الإنسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع مِن حزيران 1967 والأراضي التي ما زالت محتلة في جنوب لبنان. والتوصل إلى حل عادل لمشكلة الفلسطينيين يُتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. وقبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من حزيران 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية. عندئذ تقوم الدول العربية بما يلي: إعتبار النزاع العربي – الإسرائيلي منتهياً، والدخول في إتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل وتحقيق الأمن لجميع دول المنطقة، وإنشاء علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار هذا السلام الشامل».
لم تغتنم إسرائيل الفرصة التاريخية للقمة العربية في بيروت مع أن القرارات التي أشرنا إليها إتُّخذت بالإجماع ما يعني أن لا دولة عربية ستعترض في حال شرَعت إسرائيل التنفيذ. بل إنها لم ترُد على التحية بمثْلها الأمر الذي تسبَّب في إختراقات عربية للقرارات المشار إليها. كما لم يقتصر عدم إغتنام الفرصة وإنما رفعت بشاعة عدوانها درجات على النحو الذي حدَث في غزة وفي جنوب لبنان ومناطق البقاع – بعلبك – الهرمل مع شمْل الضاحية الجنوبية لبيروت بأكثر الإعتداءات تدميراً وتهجيراً وصولاً إلى مناطق في العاصمة بيروت التي إستضافت القمة التي صاغ فيها القادة العرب الحل الذي أشرنا إليه.
وبموازاة عدم إغتنام الفرصة التاريخية، بدأت توظف بالتدرج العبارة الأخيرة من قرار القمة والتي للتذكير هي «إعتبار النزاع العربي – الإسرائيلي منتهياً والدخول في إتفاقية سلام بينها وبين إسرائيل...». وأثمرت محاولات سيئة النوايا تمازحت مع مغريات أميركية للبعض (الإمارات والبحرين) ورفْع عقوبات مفتعَلة أصلاً على بعض آخر (السودان) في إنتظار ما إستُتبع لاحقاً من خلال إعتداءات غير مبرَّرة على لبنان لكي يكون طريدة جديدة للقناص الإسرائيلي وعلى سوريا للغرض المتدرج نفْسه مع الحُكم الجديد.
حققت الإعتداءات والإجتياحات على لبنان مبتغاها وبحيث أن التطبيع بالمباغتة مِن جانب مصر السادات (1979) وبالتعجل من جانب الأردن (1994) وبخطيئة مِن جانب دولة الإمارات (2020) ومِن فعْل لا مبرر له مِن جانب البحرين والمملكة المغربية والسودان (2020) وضعت لبنان على مشارف التطبيع ولو بالإكراه إذا أمكن وبذريعة أن التوجه نحو وضْع الكف اللبناني في الكف الإسرائيلي حدث رمزياً في القمة العربية التي إستضافها الشيخ زايد بن سلطان في بيروت ومِن قبْل أن تخطو دولة الإمارات بشكل مفاجىء نحو التطبيع.
يكاد المرء يرى إستحالة في التطبيع الذي تريده إسرائيل نتنياهو مع لبنان وترمي الإدارة الأميركية بثقلها مِن أجْل تحقيقه، مستندة إلى ما أقدمت عليه دولة الإمارات وقبْلها البحرين والسودان والمغرب (2020) واضعة الحُكْم اللبناني في مشارف حدوث ما لا يتمناه لوطنه.
... والله البصير والرقيب.