بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 آب 2025 12:00ص كي يعود النمو

حجم الخط
لا يستمر النمو الاقتصادي القوي لسنوات طويلة متتالية الا في حالات استثنائية.  لكل شيء نهاية ولا بد للدورة الاقتصادية من أن تحصل.  الأسباب الأساسية للنمو الاقتصادي الغربي كان لعقود زيادة عدد السكان وارتفاع الانتاجية عبر البحوث والتطوير، والاثنان متعثران اليوم.  من ناحية السكان، النمو الديموغرافي ضعيف وسلبي في بعض الدول بالاضافة الى رفض هذه الدول استقبال المهجرين لأسباب غير اقتصادية في معظمها.  يبقى الانسان الركيزة الأساسية للنمو حتى لو لم يعد دوره كبيرا كالماضي.  جمع عوامل الانتاج في مختبر واحد هو في غاية الأهمية، اذ لا بد للانسان من أن يشترك مع رأس المال والمواد الأولية والطاقة والذكاء الاصطناعي لانتاج أهم ما تحتاج اليه المجتمعات.  أسباب النمو الاقتصادي اللبناني القوي كان تدفق الاستثمارات في ظروف استقرار وهدؤ نسعى للعودة اليها اليوم.
في الواقع، يتباطئ حاليا النمو في أكثرية دول العالم لأسباب مختلفة.  النمو مهم جدا لتلبية الحاجات السكانية المعيشية ورفع مستوى الحياة.  لا يمكن محاربة الفقر الا عبر النمو الذي ينشر الثروة في كل انحاء المجتمعات.  المهم أن يتوزع النمو على المناطق والطبقات الشعبية وأن لا ينحصر في مناطق أو عند الأغنياء.  هذا هو التحدي الكبير الذي تواجهه كل الحكومات المسؤولة في هذا القرن.  عودة النمو يعني استقرار المجتمعات واستتباب السلم الأهلي وتحسن العلاقات بين الناس وتطوير البنية التحتية كما الفوقية.
حصة القطاعات التي كانت رائدة تاريخيا في تقدم الانتاجية تدنت حصتها في الاقتصاد العام.  نقصد هنا تلك التي سببت الثورات الصناعية خاصة الثانية، بينها الكهرباء والنقل والاتصالات.  الثورة الثالثة هي الرقمية والأنترنت، لا شك أنها مهمة الا أن تأثيرها على رفع الانتاجية لم يكن بحجم الثورة الثانية.  أما ارتفاع حصة الخدمات في الاقتصادات فأضعف نمو الانتاجية لأن الخدمات طبيعيا لا تستوعب كما الصناعة التقدم التكنولوجي الكلاسيكي.
يحصل التباطؤ الاقتصادي الحالي بالتزامن مع زيادة فجوتي الدخل والثروة بين طبقات المجتمع.  يؤثر هذا التزاوج على نفسية العمال وحتى على أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة.  التصحيح واجب وصعب عبر الضرائب والمنح والخدمات.  تشير الاحصائيات أيضا الى أن حصة الأرباح من الانتاج تزداد على حساب حصة العمل، وهذا يؤثر على المناخ في المجتمع وعلى رغبة العمال في العمل أكثر لمؤسساتهم.  للعولمة فوائد كبيرة، الا أن احدى مساوئها الرئيسية توسيع الفجوة بين رأس المال والعمل.
تكلم الاقتصادي الأميركي «روبرت غوردون» في كتابه «النمو الأميركي» عن «الركود البنيوي» حيث يصعب اليوم في رأيه العودة الى النمو القوي بسبب تغير أسس وركائز المجتمعات والاقتصادات.  يحتاج العالم الى أفكار جديدة وتقنيات فاعلة بدأ من الذكاء الاصطناعي تغير نمط الحياة وتسمح للانسان برفع انتاجيته.  واقعا وبالرغم من وجود بحوث كبيرة وقيمة تصدر عن الجامعات والمراكز والشركات، لم يعد تأثيرها أو عائدها على المجتمعات كالماضي.  الاكتشافات في مراحلها الأولى تؤثر كثيرا، الا أن الاضافات تؤثر أقل وهذا طبيعي.
في القطاع الطبي مثلا، بين سنتي 2004 و 2014، ارتفعت قيمة البحوث والتطوير العالمية السنوية من 88 مليار دولار الى 138 مليار دولار أي 20% من موازنة القطاع دون أن تكون الاكتشافات بالمستوى نفسه، أي العائد العلمي ضعيف.  بلغ مجموع الانفاق خلال ال 10 سنوات 1200 مليار دولار أي ما يفوق مجموعة كبيرة من اقتصادات دول العالم.  في الحقيقة، أصبحت البحوث تقنية أكثر والأمراض التي تهدف الى معالجتها معقدة أكثر مما يفسر ضعف الاداء البحثي.  في البحوث كما في القطاعات الأخرى، يستسهل الانسان أحيانا الطرق الحالية ويمتنع عن تجربة طرق جديدة تغير مسار العمل.
في واقع البحوث، خفت قدرة العامل على التحكم بانتاجه لأن مساهمة رأس المال التقني أصبحت أكبر بكثير وبالتالي كفاءة العامل لم تعد بالأهمية نفسها.  دور الانسان الآلي في الانتاج يتطور بشكل مدهش في الطب والصناعة وحتى في مختلف الزراعات والخدمات.  حقوق العمال مهمة جدا لكن تكلفتها تخطت في بعض الدول الحدود المبررة اجتماعيا.  في فرنسا مثلا حيث ينعم العامل بحقوق لا نحلم بها في دولنا العربية، نرى أن النقابات تقرر الاضرابات الطويلة والتظاهرات العنيفة لأسباب أحيانا لا يمكن الدفاع منها منطقيا بدأ من عمر التقاعد الى عدد العطل السنوية وكافة التعويضات.
بالرغم من تقدم العلوم، لم تعد القوى العاملة جاهزة فكريا للانتاج كما كانت سابقا.  ربما مستوى الثقافة العامة ارتفع، الا أن العلم التقني تدنى أو خف انتشاره لرغبة السكان في الحصول على التعليم الفكري أو الذهني أو الأكاديمي.  في لبنان مثلا، لدينا عشرات الجامعات التي تدرس كل شيء بمستويات مختلفة من «المضر» الى «الجيد جدا» دون أن تكون هنالك ولو مجموعة قليلة من المدارس المهنية والتقنية الجيدة.  يسبب هذا الواقع خللا في أسواق العمل حيث نجد ألوف المهندسين والأطباء والمحامين والاقتصاديين، ولا نجد عددا قليلا من التقنيين الجيدين.
أخيرا تكمن خطورة تباطؤ النمو في تأثيره القوي مع الوقت على البحبوحة الاقتصادية وبالتالي على استمرار المجتمعات بالحصول على الرفاهية المطلوبة.  ان رفع الانتاجية عبر التعليم والاستثمار في قطاعات واعدة ضروري، كما لا بد من عودة الروح الى الصناعة.  فالانتاجية الصناعية لم تخف، الا أن حصة الصناعة في الاقتصادات ضعفت وبالتالي تأثير انتاجيتها على الاقتصاد ككل أصبح أضعف.  أما تحول العمالة من القطاعات ذات الانتاجية الضعيفة الى الأخرى ذات الانتاجية المرتفعة، فيتطلب تغييرا في الطلب والعرض.  في الطلب يجب أن تتعزز القطاعات التي تتفوق في الانتاجية، أما في العرض فيجب أن تتطور العلوم كي تتأقلم مع الحاجات الجديدة المؤثرة على النمو المستقبلي.