بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 أيار 2026 12:40ص من إدارة الخلافات إلى تنظيم المصالح

حجم الخط
جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى العاصمة السورية في لحظة إقليمية شديدة التعقيد،  لتؤكد أن بيروت تدرك جيداً حجم التحولات الجارية في المنطقة، وأنها تحاول استباق التداعيات السياسية والأمنية والاقتصادية للحرب المشتعلة، عبر إعادة تنظيم علاقتها مع سوريا على قاعدة المصالح المشتركة والإحترام المتبادل والحاجة إلى الاستقرار.
الزيارة لم تكن بروتوكولية أو عابرة، بل حملت في توقيتها أبعاداً استراتيجية تتجاوز الملفات الثنائية التقليدية، خصوصاً أنها تزامنت مع استعداد لبنان للدخول في جولة مفاوضات مباشرة في واشنطن، في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي المتعمَّد في الجنوب، والذي يبدو منسجماً مع سياسة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو القائمة على إطالة أمد التوتر والحرب، لتحقيق مكاسب سياسية وانتخابية داخلية، ولو على حساب استقرار المنطقة بأكملها.
من هنا، يمكن اعتبار أن أهم ما حققته زيارة سلام إلى دمشق، هو نجاحها في إعادة فتح قنوات التواصل الرسمي والعملي بين البلدين من موقع الندّية، وبعيداً من الشعارات وإشكاليات الهيمنة التقليدية التي لطالما حكمت العلاقة اللبنانية ـ السورية في «الفترة الأسدية». فالمناخ الإيجابي الذي أحاط باللقاءات عكس وجود رغبة متبادلة في الانتقال من مرحلة إدارة الخلافات، إلى مرحلة تنظيم المصالح، وهو ما تُرجم عملياً بالإعلان عن إنشاء مجلس أعمال لبناني ـ سوري مشترك، يتولى متابعة الإجراءات التنفيذية للاتفاقات التي يتم التوصل إليها بين الحكومتين.
ولا تبدو أهمية هذا المجلس محصورة بالجانب الاقتصادي فقط، بل تتعداه إلى توفير إطار مؤسساتي دائم لمعالجة الملفات العالقة، بما يمنع العودة إلى سياسة المعالجات الظرفية أو الارتجالية التي أرهقت البلدين خلال السنوات الماضية. فلبنان يحتاج اليوم إلى بوابة سورية مستقرة لإعادة تنشيط حركة الترانزيت والتبادل التجاري مع العالم العربي، فيما تحتاج سوريا بدورها إلى شراكة اقتصادية وتنظيمية تخفف من الضغوط المتراكمة عليها.
وفي هذا السياق، يُعتبر ملف نقل السجناء السوريين من السجون اللبنانية إلى سوريا كأحد أبرز الملفات التي شهدت تقدماً جدياً، وساهم في تعزيز الثقة المتبادلة،  نظراً لما يشكله هذا الملف من حاجة معنوية وسياسية لدمشق، لأن معظم المُفرج عنهم كانوا يقاتلون في صفوف الثورة ضد النظام الأسدي. فضلاً عما يشكله هذا الملف من عبء قانوني وإنساني وأمني على لبنان. كما أن البحث في تنظيم تدابير النقل والانتقال والترانزيت بين البلدين، يعكس إدراكاً متبادلاً بأن أي اختناق اقتصادي أو لوجستي في المعابر سينعكس سلباً على الوضعين اللبناني والسوري معاً.
أما على المستوى الحيوي، فإن وضع الاتفاق الكهربائي الثلاثي بين لبنان وسوريا والأردن موضع التنفيذ يُشكل خطوة بالغة الأهمية في ظل الأزمة الكهربائية الخانقة التي يعيشها اللبنانيون. فإحياء هذا الاتفاق لا يحمل فقط بُعداً خدماتياً، بل يعبِّر أيضاً عن توجُّه نحو إعادة دمج لبنان تدريجياً في شبكة المصالح الاقتصادية العربية، بما يخفف من عزلته الحالية.
لكن، رغم أهمية هذه العناوين، يبقى البُعد السياسي والأمني للزيارة هو الأكثر حساسية وعمقاً. فلبنان يدرك أن دخوله في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين، ولو برعاية أميركية، يتطلب الاستفادة من التجربة السورية الأخيرة في هذا النوع من التفاوض المعقّد، حيث تمكنت دمشق من إدارة التفاوض المباشر وغير المباشر مع إسرائيل، من دون التفريط بثوابتها الوطنية، أو منح تل أبيب مكاسب مجانية.
كذلك لا يمكن فصل الزيارة عن البُعد الأمني المتصل بالحدود المشتركة، خصوصاً بعد إعلان السلطات السورية عن كشف «خلايا معادية» مرتبطة بـ حزب الله في أكثر من منطقة سورية. فهذه التطورات تفرض على البلدين تعزيز التنسيق والإجراءات الحدودية لمنع أي انزلاق أمني من أي طرف لبناني، قد تستثمره إسرائيل لتوسيع دائرة التوتر، أو فرض وقائع جديدة على الأرض.
الواقع أن زيارة الرئيس نواف سلام إلى دمشق تُعتبر محاولة لبنانية واقعية لإعادة بناء العلاقة مع سوريا على أسس براغماتية تحفظ مصالح الطرفين، وتمنح لبنان هامشاً أوسع للمناورة في مواجهة الاستحقاقات المقبلة. 
المنطقة تدخل مرحلة إعادة رسم للتوازنات والحدود والأدوار، ومن لا يُحسن قراءة التحولات والتكيّف معها قد يجد نفسه خارج المعادلة، فيما اختار لبنان، هذه المرة، أن يكون حاضراً على طاولة الترتيبات لا مجرد ورقة في الملف الاقليمي بيد آخرين!