بيروت - لبنان

اخر الأخبار

11 أيار 2026 12:10ص بدر 2026، هل يعيد بدر 1973؟

حجم الخط
د. جيرار ديب

أثارت مناورات عسكرية مصرية، أجريت على مسافة 100 متر من السياج الحدودي قلقاً عسكرياً إسرائيلياً غير مسبوق منذ عقود. حيث رأت مصادر إسرائيلية أن «هذه التحركات المصرية تخالف الملاحق الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد»، واصفة اقتراب القوات المصرية من الحدود بـ«إشارة حمراء»، وفق ما ذكرت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية.
هذا وقال اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع العسكرية في المناورة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية أنها تستهدف الحفاظ على الأمن القومي وتعزيز القدرات القتالية. وأضاف في تصريحات تلفزيونية، واضحا مناورات «بدر 2026» التي نفذها الجيش المصري في سيناء بالقرب من الحدود مع إسرائيل، إنها تأتي في ظلّ مشهد إقليمي مضطرب، يفرض إظهار امتلاك القوة، كرسالة ردع.
مشهد مضطرب فرضه الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر عام 2023، إثر تنفيذ حركة حماس عملية «طوفان الأقصى» ردّاً على سلسلة من الاعتداءات التي قام بها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في القطاع والضفة الغربية. لم يكتفِ الإسرائيلي بممارسة الجريمة بحق الفلسطينيين، بل قام بتوسيع دائرة الاستهداف حيث أدخل المنطقة في أتون حرب، رغم التوصل إلى هدنة بين المتقاتلين، إلّا أنها لم تزل تترنح على حافة الهاوية. إن ما زاد من قلق دول الجوار تلك السرديات التي خرج بها المسؤولين الإسرائيليين على رأسهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ليعلن قيام الشرق الأوسط الجديد، مجدّداً حلمه بإقامة «إسرائيل الكبرى»، أي من النيل إلى الفرات.
واقع لا يمكن للقيادة المصرية التغاضي عنه، لهذا وضع لوائها تلك المناورات في خانة إبراز القوة العسكرية. لكنّ «بدر 2026»، أعاد ذاكرة الإسرائيلي عشرات السنوات إلى الوراء، تحديداً إلى الحرب التي شنّها الجيش المصري في 6 أكتوبر والتي ألحقت الجيش الإسرائيلي بهزيمة كبرى.
هذه المناورة ليست الأولى التي تربك الإسرائيلي، لقد شهدت الحدود المصرية - الإسرائيلية خلال عام 2025 توتراً متصاعداً، تمثل في تبادل الاتهامات، وإيجاد حالة من القلق لدى الاسرائيلي من تدريبات عسكرية مصرية مكثفة في سيناء. ومن تزايد لمزاعم حول تهريب أسلحة مما أدّى إلى انتشار عسكري غير مسبوق بين الجانبية. من التوتر الميداني إلى التوتر الدبلوماسي إذ أٌقدمت مصر على تجميد تعيين تسمية سفير لها جديد في تل أبيب، مع عدم قبول تعيين سفير إسرائيل جديد في القاهرة خلفًا لأميرة أورون.
يتخوّف الإسرائيلي من تكرار سيناريو تلاعب المصريين بهم بشكل خطير، إذ يظهر التاريخ أنه عشية حرب أكتوبر، كان الجيش المصري قد نفذ 21 مناورة واسعة النطاق انتهت جميعها على الضفة الغربية لقناة السويس. أما المناورة 22 فلم تتوقف عند هذا الحدّ، بل تحوّلت إلى عبور للقناة وبداية للحرب»، فهل ستتخطى المناورة التالية للجيش المصري في حالة تنفيذها حدود الـ100 متر التي توقفت عندها مناورة «بدر 2026» وتكون الحرب؟
لا نقاش أن حالة من الترقّب الحذر تسود العلاقة المصرية - الإسرائيلية، خصوصاً بعدما بدأت القاهرة تدرك أن تل أبيب إلى جانب واشنطن تعملان على سحب بساط الوساطة في المنطقة من تحت قدميها. وهذا ما تجلّى في دخول لاعب إقليمي جديد على الخطّ بشأن فرض الهدنة في الحرب الأخيرة مع إيران وهو الباكستاني، الأمر الذي أتى على حساب الوساطة المصرية. 
بعيداً عن معايير الربح والخسارة من الحرب الإيرانية الأخيرة، إلّا أنّ الأكيد أنها أعادت خلطاً للأورق ولقواعد التحالفات في المنطقة. إذ شعرت المملكة العربية السعودية أن الحليف المصري لم يكن على مستوى الردّ في شأن الاعتداءات الإيرانية على أراضيها، هذا ما أحدث حالة من التوتر بين البلدين. فالمصري الذي بنى علاقات متينة مع الرياض، تراه اليوم يتجه إلى تشكيل تحالف جديد مع تركيا، حيث حذّر أكثر من مسؤول أمني إسرائيلي من خطورة هذا التقارب، داعياً القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى ضرورة بناء جيش قادرة على مواجهة التحديات المستقبلية لتحقيق النصر.
قراءات جدّية تدفع بالإسرائيلي إلى أخذ الحذر من التحركات المصرية، خصوصاً بعد رفض القاهرة مشروع «ترانسفير» لسكان غزة إلى سيناء، وإيجاد قطاع بديل لهم. هذا وكانت مصر قد أعلنت رفضها القاطع، رسمياً وشعبياً، لمقترح الرئيس ترامب في عام 2025، بنقل سكان القطاع إلى دول مجاورة، على اعتبار أنّ هذا يعمد إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائياً.
الامتعاض المصري من السلوك الإسرائيلي، انتقل على شكل هواجس برزت مع اعتراف تل أبيب بإقليم أرض الصومال. إذ إضافة إن مصر تعتبر هذه الخطوة انتهاكاً للقانون الدولي ومحاولة لتعزيز نفوذ إسرائيل وأثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي على حساب المصالح المصرية، خاصة قناة السويس. تشكّل هذه الخطوة تهديداً أمنياً لها في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتطويقاً إسرائيلياً عسكرياً قرب خليج عدن، هذا ما يعزز من فرضية مسعى إسرائيل إلى إعلاء شأن قناة بن غوريون في الممر الاقتصادي الهندي على حساب قناة السويس في مشروع الحزام والطريق الصيني.
هي مناورات روتينية يقوم بها الجيش المصري في ظلّ حالة الاستقرار التي تعصف في المنطقة، وسط ارتفاع الحديث عن عودة الحرب مع إيران مع ترجيح توسّعها جغرافياً. إضافة إلى أن المصري بات على قناعة واضحة أن لا حدود لسياسات نتنياهو التوسعية في ظل وجود ضوء أخضر أميركي ومشاركة فعلية للجيش الأميركي في الحرب الدائرة. وإن وجود اليمين المتطرف في السلطة يشكّل تهديداً جدّياً لكافة القوة في المنطقة، هذا ما باتت القاهرة وأنقرة على دراية به، من إن نهاية الحرب مع غيران سيكون هناك بداية لحرب قادمة لا محالة مع الإسرائيلي.
«بدر 2026»، أكثر من مناورة بهدف عرض العضلات والتذكير بالقدرة المصرية على ردع أي عدوان إسرائيلي على أراضيها. لكنّه قد يؤكد المخاوف الإسرائيلية من قيام مصر بهجوم مباغت على شاكلة هجوم أكتوبر ولكن هذه المرة مع استبدال الجيش السوري بالجيش التركي بعد الاستشعار بأن عدم وضع حدّ لجنون نتنياهو من قبل الإدارة الأميركية، قد يدفع بالتحالفات الجديدة للقيام بهذه المهمة، ولكن السؤال يبقى متى ساعة الصفر ومن سيحددها؟