«الخُطى الضائعة» تحتضن احتفال بدء السنة القضائية في حضور الرؤساء الثلاثة
حجم الخط
قصر العدل - هدى صليبا:
دعا رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الى «اعادة النظر في النظام الذي يرعى مؤسساتنا القضائية، من خلال مقاربة جديدة تأخذ في الاعتبار الشوائب والنواقص والثغرات في قلب النظام القضائي».
وقال: «قد نذهب بالتغيير الى جعل القضاء سلطة منتخبة فتصبح حكما سلطة مستقلة مع استقلال إداري، وهكذا نفصل فعليا بين السلطات مع وضع التشريعات اللازمة لخلق التوازن في ما بينها».
مواقف عون جاءت خلال رعايته احتفال افتتاح السنة القضائية 2017-2018 الذي اقيم بعد ظهر امس للمرة الاولى منذ سبع سنوات في قاعة «الخطى الضائعة» في قصر العدل تحت شعار «باسم الشعب تبنى الدولة»، وحضره رئيسا مجلس النواب نبيه بري ومجلس الوزراء سعد الحريري، الرئيسان السابقان امين الجميل والعماد ميشال سليمان، الرئيس حسين الحسيني، والوزراء سليم جريصاتي، يعقوب الصراف، سيزار ابي خليل، اواديس كيدانيان، طارق الخطيب، ورائد خوري، وعدد من النواب ووزراء ونواب سابقون، وسفراء عرب وأجانب.
كذلك حضر رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي جان فهد واعضاء المجلس، رئيس المجلس الدستوري الدكتور عصام سليمان، رئيس مجلس شورى الدولة القاضي هنري يوسف الخوري ونقيبا المحامين في بيروت انطونيو الهاشم وطرابلس والشمال فهد المقدم واركان السلطة القضائية، وقائد الجيش العماد جوزف عون وعدد من قادة الاجهزة الامنية والقضاة وعدد من المحامين والمدعوين.
وكان عون وصل عند الساعة الثالثة والنصف الى ساحة قصر العدل حيث عرض ثلة من حرس الشرف وعزفت الموسيقى النشيد الوطني ولحن التعظيم. ثم استقبله جريصاتي وفهد وأعضاء مجلس القضاء الاعلى والهاشم والمقدم قبل ان ينتقل مع مستقبليه الى قاعة «الخطى الضائعة» ويزيح الستارة عن النصب التذكاري للشهداء القضاة الذي كتب عليه: «وفاء لشهداء العدالة وعهدا على متابعة الرسالة»، مع اسماء القضاة الشهداء: عاصم ابو ضاهر، حسن عثمان، وليد هرموش، الامير عماد شهاب، وقبلان كسبار.
الهاشم
بدأ الاحتفال بالنشيد الوطني ثم كلمة لعريفة الحفل الرئيس الاول لمحكمة استئناف الجنوب القاضية رلى جدايل التي رحبت بالحضور مثنية على دور القضاة وسعيهم الدؤوب لتحقيق العدالة. وبعد عرض فيلم وثائقي عن اوضاع القضاء العدلي، القى النقيب الهاشم كلمة نقابتي المحامين في بيروت والشمال، وقال: «وقفنا ونقف دائما إلى جانب الجسم القضائي، مع مجلس القضاء، الأعلى في كل الجهود التي يبذلها لإرساء استقلال السلطة القضائية على قواعد ثابتة عمادها الدستور. فحال البلاد لا يستقيم إلا باستقامة القضاء. وكلنا معنيون بحسن سير القضاء. واكد إن إستقلال القضاء ليس ترفا وليس خيارا .... بل هو حتمية حياة وضرورة وجود.
فهد
ثم ألقى فهد كلمة اكد فيها أن «منتهى ما نصبو إليه هو سلطة قضائية مستقلة تبلور ما رسمته المواثيق الدولية وما نص عليه الدستور، تحاكي الحالة السائدة في الدول الديمقراطية، وتضع حدا لبلبلة الاختصاصات وتضارب الصلاحيات، وتؤازر الدولة وتستجيب لانتظارات الناس. ونحن واثقون بأنكم في صدارة العاملين على تحقيقها. وواثقون كذلك، بأنكم، تدعيما لهذه السلطة، لن تدعوا حقا من حقوق القضاة أو مكتسبا من مكتسباتهم أو ضمانة من ضماناتهم تفلت أو تضيع في وابل الطلبات وفي غمرات التشكيك، سواء أكانت متعلقة بالحفاظ على صندوق تعاضد القضاة وتدعيمه، أم بتصحيح رواتب القضاة، أم بتأهيل دور العدل وتجديدها استيعابا للقضاة وحفاظا على المهابة والكرامات.
جريصاتي
ثم القى جريصاتي كلمة اكد فيها ان «المناقلات القضائية اعتمدت مبدأ المداورة، إلى جانب المناصفة والاختصاص والجدارة والاستحقاق، من المعايير الأساسية التي يجب أن يراعيها كل إقتراح بمناقلة أو تعيين في المواقع العامة، فلا تنشأ، على ضفاف السلطة، محميات طيعة وعصية على الإصلاح والتجديد. إن أهمية هذه المناقلات تكمن أيضا على مستويات أخرى، لعل أبرزها أن القضاة الشباب تبوؤا مواقع حساسة في هذه السلطة، في حين بقي القضاة المخضرمون، كما منارات الإرشاد، في مواقع الرقابة والقرار الرشيد وتوحيد الإجتهاد. إن سلطة لا تتجدد من ذاتها وتنقي ذاتها بذاتها مآلها النضوب والإنحسار، وحسنا فعل رئيس مجلس القضاء الأعلى وأعضاؤه بأن وضعوا للمرة الأولى في تاريخ القضاء، تقريرا مفصلا عن أوضاع المحاكم العدلية وأعمالها من سنة 2012 إلى شهر آب 2015 ضمنا».
وخاطب رئيس مجلس النواب: «إشتاقت إليك قاعة الخطى الضائعة التي اعتادت عليك يوم كنت محاميا تمارس رسالة المحاماة في الأقلام وقاعات المحاكم، كما استعاد هذا القصر ذكرى إسراعك إليه يوم كنت وزيرا للعدل، في ليلة ليلاء من ليالي الحرب التي قلب صفحاتها ميثاقنا ووفاقنا، كي تطفئ نارا اشتعلت في مكاتب محكمة التمييز. قضاة لبنان ينتظرون منك اليوم ان تطفئ نارا اخرى تكاد تقضي على استقلاليتهم وإنصافهم في مجلس النواب لإعادة ضماناتهم لهم».
ثم توجه الى الحريري: «الشكر لك لأنك وقفت في كل مقاربة إجرائية لملف القضاء، وقفة رجل دولة مسؤول وتجاوزت الاعتبارات السياسية الضيقة من منطلق أنك رئيس حكومة «إستعادة الثقة» بمشروع إنهاض الدولة، وهو مشروع هذا العهد الذي لا يستقيم من دون القضاء المستقل. إن البيان الوزاري للحكومة ينص صراحة على استقلالية السلطة القضائية وعلى تفعيلها، ما يحمل كل المعاني والدلالات لسياسة الحكومة العامة عند مقاربة السلطة القضائية».
عون
وبعد انشودة «هيك العدل بدو» التي القى كاتبها الشاعر نزار فرنسيس بعض كلماتها، القى عون كلمة أعلن في مستهلها يوم 8 حزيران، يوم استشهاد القضاة الأربعة، يوما لشهداء القضاء في لبنان.
وقال: خلال الحرب العالمية الثانية، وعندما كانت لندن تقصف بالقنابل والصواريخ النازية، يروى أن تشرشل سأل معاونيه عن وضع القضاء، فأجيب بأنه ما زال يعمل على أكمل وجه، عندئذ اطمأن تشرشل وقال إن بريطانيا بألف خير.
ولفت الى ان «ما كان يعنيه رئيس الوزراء البريطاني أن القضاء هو الحجر المفتاح في عقد المؤسسات، إن هو سقط، سقطت معه جميع المؤسسات، وانهارت الدولة بكاملها».
والقضاء الذي أتكلم عنه هو جميع المؤسسات التي تفصل في القضايا الخلافية وتصدر الاحكام، وتحدد أيضا صحة أو عدم صحة التشريع في حال الطعن به.
وقال: لقد تناولت الشائعات القضاء في مختلف مواقعه، متهمة إياه بالفساد وعدم الفعالية، وبالتبعية للسلطات السياسية التي ألغت استقلاليته وفرضت على قسم من القضاة ضغوطا جعلتهم ينحرفون عن السلوك القويم، ويبتعدون عن الأداء الصحيح، وينسون أن عليهم إحقاق الحق في المقاضاة بين الناس.
وأضاف: «أمام هذه الأوضاع التي تسود اليوم أجواء الرأي العام أصبح لزاما علينا أن نعيد النظر في النظام الذي يرعى مؤسساتنا القضائية، من خلال مقاربة جديدة تأخذ بعين الاعتبار الشوائب والنواقص والثغرات في قلب النظام القضائي، فنحصن بذلك استقلاليته ونزاهته، ونعدل في القوانين الإجرائية لنزيد فعاليته.
وقد نذهب بالتغيير الى جعل القضاء سلطة منتخبة فتصبح حكما سلطة مستقلة مع استقلال إداري، وهكذا نفصل فعليا بين السلطات مع وضع التشريعات اللازمة لخلق التوازن في ما بينها».
وقال: «أعرف مسبقا أن هناك بعض المعترضين على هذا النحو من التفكير، وهذه الحالة طبيعية جدا لأن أي تغيير، وفي أي قطاع كان، يخلق جوا من القلق، فهو يحرك الركود القائم ويتطلب تأقلما جديدا في ظروف وشروط جديدة.
ولكن هذا التغيير يتطلب وقتا، ودونه صعوبات. وبانتظار إتمامه، يجب أن نعي أن أي تشريع أو تنظيم لا قيمة لهما، ولا يضمنا أي عدالة، إن لم يتمتع القيّم على تطبيقهما بصفات مميزة تحصنه أخلاقيا، وبكفاءة واستقلالية، وبضمير نيّر يذكره دائما بأن واجبه هو إحقاق الحق، ويمنحه المناعة ضد السقوط بالخوف أو بالإغراء».
واعتبر انه «اذا كان القضاء السليم يقوم على الاستقلالية والنزاهة والكفاءة، فتبقى الحاجة الى تعديل الكثير من القوانين الإجرائية غير المفيدة، وما اكثرها. وخصوصا تلك التي تطيل المهل بدون حاجة، فتتكدس الملفات على الطاولات وفي الخزائن. وبمثل هذه التعديلات نقتصد الوقت ونضمن فعالية أفضل، فلا يتأخر البت في الدعاوى، فالمواطن لا يستطيع أن يفهم كيف لبعض القضايا أن تأخذ سنوات حتى تصدر أحكام القضاء فيها، كمثل جريمة قتل موثقة بالصوت والصورة، شهدها العشرات بأم العين، ومئات الآلاف عبر الفيديو المصور، ومع ذلك، لم تزل في أدراج المحكمة منذ أكثر من سنتين، ولا أحد يعرف متى تنتهي. أو محاكم المطبوعات مثلا حيث الجرم يكون في سطر من مقال موقع، وتنام فيها الأحكام لسنوات. وغيرها الكثير من القضايا والدعاوى النائمة.
فلنتذكر جميعا أن العدالة المتأخرة ليست بعدالة، وقد آن الأوان للخروج من هذه المعادلة».
وخاطب القضاة بالقول: «إن مسؤوليتكم في نهوض الاقتصاد الوطني لا تقل أهمية، لأن الأمن وحده لا يكفي لاستقطاب الاستثمارات ما لم يكن متلازما مع قضاء سليم، إذ لا يقوم اقتصاد مزدهر في بلد يتخلف فيه القضاء عن القيام بواجبه، ولا يحفظ حقوق المستثمرين، أو يسمح لعامل الوقت أن يضيعها».
وختم: «لقد جرت العادة أن من يريد الاستثمار في لبنان يبحث دائما عن غطاء سياسي قبل الشروع بمشروعه، بينما الوضع السليم يفرض أن يكون القضاء هو الغطاء، وهو صمام الأمان».
بعد ذلك، قدم القاضي فهد هدية للرئيس عون هي عبارة عن تمثال لسيدة العدالة اللبنانية المصنوعة من خشب الارز من تصميم وتنفيذ النحات رودي رحمة، متوجها اليه بالقول: «للعدالة رمزها وللجمهورية كنزها».
ثم التقطت الصور التذكارية، واقيم كوكتيل قطع خلاله عون مع بري والحريري وفهد قالب حلوى عليه رمز مجلس القضاء الاعلى.






