تقسيم الناعمة عن حارتها محطة جديدة في سلسلة نظام الامتيازات المتجدّد في لبنان
ليست قضية فصل بلدة الناعمة عن حارتها مجرد خلاف إداري حول حدود بلدية أو إعادة تنظيم جغرافي. فهي في نظر كثير من المراقبين تُعيد فتح نقاش أعمق يتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، هل تُدار مؤسساتها وفق معايير الدولة الدستورية الحديثة أم وفق منطق الامتيازات السياسية والطائفية الذي تراكم منذ نشأة الكيان واستمر بأشكال مختلفة حتى اليوم؟ في هذا السياق يكتسب الجدل حول تقسيم الناعمة بُعداً يتجاوز حدود البلدة ليصبح نموذجاً مصغّراً لأزمة بنيوية يعيشها لبنان منذ عقود. فبدلاً من أن يكون تطوير البلديات مناسبة لإعادة بناء الإدارة المحلية على أسس الكفاءة والعدالة والتخطيط العلمي، يتحوّل في كثير من الأحيان إلى مناسبة لإعادة إنتاج الانقسامات الطائفية وإعادة توزيع النفوذ والموارد بين مراكز القوى.
وقد قدّم المفكر محمود ممداني في تحليله لأنظمة الحكم الكولونيالية مفهوماً بالغ الأهمية يتمثل في «دولة الامتيازات» حيث لا يُعامل السكان بوصفهم مواطنين متساوين أمام القانون، بل بوصفهم جماعات منفصلة تُمنح لكل منها امتيازات أو قيود خاصة وتُدار عبر وسطاء وزعامات محلية. وفي مثل هذه الأنظمة تصبح الهوية الطائفية أو الإثنية مدخلاً إلى الحقوق لا المواطنة وتتحول الإدارة المحلية إلى أداة لترسيخ الانقسام بدلاً من بناء الدولة. ورغم اختلاف السياقات التاريخية حمل النظام اللبناني في مراحل متعددة سمات مشابهة لهذا النموذج حيث طغت معايير التوازنات الطائفية على معايير التخطيط والإدارة الرشيدة، وأصبحت إعادة رسم الحدود الإدارية أو توزيع الصلاحيات تخضع في أحيان كثيرة لحسابات النفوذ والمكاسب الخاصة أكثر من خضوعها للمصلحة العامة.
من هنا تبرز حساسية قضية الناعمة، فالبلدة دفعت طوال عقود أثماناً باهظة نتيجة احتضانها مكب النفايات الرئيسي لبيروت وجزء كبير من جبل لبنان، تحمّل أهلها أعباء التلوث البيئي وتدهور المياه الجوفية وانعكاسات صحية واجتماعية واقتصادية كبيرة مقابل وعود متكررة بالتعويض والتنمية وتحسين الخدمات، ومن بين تلك الوعود الاستفادة من الطاقة الناتجة عن الغازات المنبعثة من تحلل النفايات لتأمين الكهرباء المستدامة والمجانيّة وهي وعود لم تتحقق بل استفادت منها بلدات أخرى نتيجة التبعيات الزعماتية، وبقيت الناعمة التي تحمّلت كل الأضرار تئن من فقرها وحرمانها و... ومصائبها المُفتعلة.
ولهذا السبب تحديداً فإن أي مشروع يؤدي إلى إعادة رسم الحدود البلدية أو فصل أجزاء ذات أهمية اقتصادية عن البلدة يثير تساؤلات مشروعة لدى أهلها حول العدالة، وحول المعايير التي تحكم هذا النوع من القرارات. فالمشكلة ليست في مبدأ إعادة التنظيم الإداري بحد ذاته إذ إن الدول الديمقراطية تعيد هيكلة بلدياتها بصورة دورية عندما تقتضي الحاجة وإنما وفق الأسس التي يعتمد عليها هذا التنظيم.
في التجارب الديمقراطية الحديثة تُنشأ البلديات أو تُعدّل حدودها استناداً إلى معايير موضوعية، عدد السكان والتواصل الجغرافي والقدرة المالية وكفاءة تقديم الخدمات والتخطيط العمراني والتنمية الاقتصادية. أما إذا أصبحت الطائفة هي المعيار الأول فإن الإدارة المحلية تتحوّل من أداة تنموية إلى وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام المجتمعي. وهذا ما يجعل قضية الناعمة امتداداً لمسار أوسع شهدته مناطق لبنانية عديدة. ففي برجا لا يزال كثيرون يستذكرون كيف أدّت تقسيمات إدارية سابقة إلى فصل واجهتها البحرية وسهلها الاقتصادي عنها، الأمر الذي انعكس على قدرتها التنموية فيما بقيت تتحمّل أعباء التلوث الصناعي الناتج عن معمل سبلين ومعمل الجية الحراري ثم أضيفت في السنوات الأخيرة تحديات بيئية جديدة مع ملف النفايات في محيطها. وفي بيروت لا يقتصر النقاش على التوسّع العمراني الذي التهم مساحات خضراء واسعة وضغط على البنية التحتية وتعويضات نهاية الحرب الى غير مستحقيها التي هجرت أهلها بل يمتد أيضاً إلى طبيعة الإدارة البلدية نفسها، حيث يثير التجريد الإستثنائي لرئيس بلديتها من صلاحياته التنفيذيّة لمصلحة المحافظ نقاشاً قديماً حول فعالية الإدارة المحلية وحدود استقلالها. أما صيدا فقد شكّل ملف مكب النفايات على شاطئها وما رافقه من تحديات بيئية مثالاً آخر على العلاقة المعقّدة بين التنمية المحلية والقرارات المركزية، في وقت لا تزال المدينة تواجه تحديات اقتصادية وعمرانية كبيرة. وفي طرابلس كما في الضنية وعكار والبقاع وجبل لبنان والجنوب تتكرر النقاشات حول توزيع الموارد العامة وحدود البلديات وضعف التخطيط الإقليمي ومعضلة الإنتماء الى دولة الإمتيازات التي لا يمكن الدخول الى مغارتها السرية إلّا عبر مفتاح علي بابا الزعيم واحتكاراته التي تتجاوز القوانين والمنطق! وما يرافق ذلك من شعور لدى كثير من المجتمعات المحلية بأنها لم تنل نصيبها العادل من التنمية والاستثمار.
القاسم المشترك في هذه الأمثلة ليس تطابق الوقائع بل الإحساس المتكرر بأن التخطيط الإداري لا ينطلق دائماً من رؤية وطنية متكاملة وإنما من توازنات سياسية وطائفية متغيّرة. والنتيجة أن البلديات اللبنانية بقيت مؤسسات محدودة الإمكانات محاصرة من الإحتكار السياسي الطائفي ضعيفة الموارد وغير قادرة على ممارسة الدور الذي تؤديه البلديات في الدول الديمقراطية، حيث تشكّل الحلقة الأساسية في التنمية المحلية وإدارة الخدمات وتحفيز الاقتصاد وتعزيز المشاركة المدنية.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتقسيم المجتمعات المحلية وفق الانتماءات الطائفية ورفع مستوى الحرمان لتعزيز مظلوميات الفوارق الإجتماعية بل بإعادة بناء الإدارة البلدية نفسها. المطلوب هو تقسيم إداري يقوم على الأحياء والمناطق الجغرافية المتوازنة ديموغرافياً مع توزيع واضح للصلاحيات وإدارة احترافية وشفافية مالية ورقمنة للخدمات، ومجالس أحياء تشارك المواطنين في صنع القرار بما يعزز الانتماء إلى المدينة أو البلدة باعتبارها وحدة مدنية جامعة. فالبلدية الحديثة ليست مساحة لتكريس الغلبة العددية أو حماية الامتيازات الخاصة وإنما مؤسسة لخدمة جميع السكان دون تمييز، وكلما اقتربت من هذا النموذج اقترب لبنان من الدولة الدستورية التي نص عليها دستوره وميثاقية مقدمته.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في حدود بلدية هنا أو هناك بل في استمرار ثقافة ترى اللبنانيين رعايا لطوائف قبل أن يكونوا مواطنين في دولة واحدة. فحين تصبح الجغرافيا امتداداً للفرز الطائفي والموارد موضوعاً لتقاسم النفوذ واضعاف الأكثرية، والإدارة وسيلة لتثبيت الولاءات فإن الدولة تفقد معناها الجامع. لهذا تبدو قضية الناعمة أكبر من الناعمة نفسها، إنها اختبار جديد لقدرة اللبنانيين على الانتقال من منطق الامتيازات إلى منطق المواطنة ومن إدارة الانقسام إلى إدارة التنمية ومن دولة الزعامات إلى دولة المؤسسات.لقد آن الأوان لأن يعود النقاش إلى الأساس الذي يجمع اللبنانيين جميعاً وهو ميثاقية مقدمة الدستور التي تؤكد وحدة الدولة والمساواة بين المواطنين وسيادة القانون ورفض أي نظام يقوم على التمييز أو الامتيازات. فالدولة الدستورية لا تُبنى بتكريس خطوط الفصل بين الجماعات بل ببناء مؤسسات عادلة تخدم الجميع وتضمن أن تكون البلديات أدوات للتنمية والتكامل لا ساحات جديدة لإعادة إنتاج الانقسام وصناعة أحقاد التفاوت الإجتماعي بعناوين طائفيّة.
في ظل الإنفتاح على مشاريع التعاون بين دول المنطقة والعالم، لا يحتاج لبنان إلى خرائط جديدة للفصل بين أبنائه بل إلى خريطة وطنية جديدة لبناء الدولة الطبيعيّة، دولة يكون فيها المواطن هو أساس الحقوق والدستور هو المرجعية والبلدية مؤسسة للتنمية تتكامل مع باقي مؤسسات الدولة بمختلف مستوياتها لا حلقة إضافية في سلسلة نظام الامتيازات المتجدّد.






