إلا أن مجلس النواب لم يتسلمها بسبب الإقفال القسري للمجلس. وذلك مما يجعل مجموع الإنفاق المصرح به للسنوات الأربع من حساب الموازنة وحسب القاعدة الإثني عشرية أربعين ألف مليار ليرة لبنانية».
واضاف: «وتبدأ المشكلة من هنا لأن القاعدة الإثني عشرية لا تنطبق على واقع الحال لأربع سنوات لاحقة، إذ إنها أساسا ووفق الدستور اللبناني، هي قد وضعت لتؤدي غرضها لشهر واحد وهو كانون الثاني حصرا من سنة الموازنة الجديدة، وذلك من أجل تسيير أمور الدولة وريثما يتم إقرار قانون الموازنة. وبالتالي لا يصح الاستناد إلى هذه القاعدة واعتمادها لأربع سنوات متتالية بالرغم من تغير مقتضيات الإنفاق وتغير الأحوال وتغير حجم الالتزامات على الدولة اللبنانية التي تضخمت احتياجاتها تدريجيا لتصبح الآن في حدود خمس وعشرين ألف مليار ليرة لبنانية سنويا وليس فقط عشرة آلاف مليار ليرة. ومن ثم فإن هذه القاعدة الإثني عشرية لا تعود قاعدة يمكن الاستناد إليها. ولذلك فإنها لم تعد تشكل المسطرة التي يمكن أن تقاس الأمور بها. وبالتالي فإن الكلام عنها يصبح في غير محله على الإطلاق ويصبح بالتالي الحديث عن تطبيقها بتكرار ذات المبلغ أربع مرات لأربع سنوات هو من قبيل الهرطقة المالية والقانونية والسياسية خاصة وعندما يختل التوازن في بنية الدولة والمؤسسات والأنظمة. وعند ذلك فإن القاعدة المستقرة هي في العودة إلى مبدأ ضرورة تسيير المرفق العام وخدمة مصالح المواطنين».
وقال: «السؤال هنا: هل الإنفاق الذي جرى في تلك السنوات الأربع وفي فترة الحرب الإسرائيلية وارتفاع معدلات الفائدة وزيادة الدين العام وارتفاع أسعار النفط وزيادة الرواتب والأجور يقع تحت باب التوقع الإثني عشري؟ سؤال جدير بالإجابة عليه، أليس كذلك؟!».
«ومع ذلك فهم ارتكبوا الخطأ الثاني إذ عمدوا لمقارنة ذلك المجموع ليس مع مجموع الموازنة فقط ولكن مع مجموع ما جرى إنفاقه وفق الارقام الصادرة عن وزارة المالية من اعتمادات الموازنة وحسابات الخزينة في تلك السنوات والبالغ 56590 مليار ليرة. ذلك مما يجعل، وبنظر ذلك البعض، المبلغ الإضافي للإنفاق هو 16590 مليار ليرة لبنانية أي ما يعادل أحد عشر مليار دولار أميركي. وبالتالي فقد جرى إطلاق تلك الشائعة المختلقة حول مبلغ الاحد عشرة مليار دولار وذلك حسب ما هو مبين في الجدول رقم اثنين المرفق المستند إلى أرقام الوضعية المالية التي تنشرها وزارة المالية دوريا. لقد فات اولئك بعضهم بحسن نية، وبعضهم الآخر أراد وبسوء نية أن يتغافل عن إدراك وفهم الفرق بين الموازنة والخزينة».
واكد السنيورة «ان كل ما ينفق من حساب الموازنة لا بد أن يظهر كإنفاق من حساب الخزينة. ولكن ليس كل ما يظهر في حساب الخزينة موجود في الموازنة وهو إنفاق غير ملحوظ أو لا تلحظه الموازنة. وتفاصيل ذلك كله مبين في الجدول رقم ثلاثة الذي يبين ما لم تلحظه الموازنة أو لم تلحظه بشكل كاف وإن كانت تلحظه القوانين الخاصة به».
واشار الى ان نفقات الخزينة وهي على سبيل المثال لا الحصر:
1- مبالغ تجبى أو تحصل من قبل الخزينة لصالح الغير وتسدد بعد ذلك لأصحابها وبالتالي هي صرف قانوني.
2- الإنفاق على حساب موازنات أو قوانين سابقة كمثل قوانين البرامج الملزمة للدولة وبالتالي هي قانونية وهناك أكثر من 22 قانون برنامج.
3- رديات الضرائب والرسوم وأهمها رديات الضريبة على القيمة المضافة والتي نصت القوانين المعنية على كيفية ردها.
4- نفقات بموجب سلفات خزينة تعطى لمؤسسات عامة على أن يلحظ لها اعتمادات في موازنة السنة الحالية أو السنة أو السنوات اللاحقة لتسديدها وذلك بنص المرسوم الذي أجاز صرفها، والمستند إلى القوانين المرعية الإجراء.
5- النفقات التي لم تلحظ لها المبالغ الكافية في الموازنة ولكن نصت القوانين المعنية على إلزامية تأديتها كخدمة الدين العام واستحقاقاته ودفع كلفة عجز مؤسسة كهرباء لبنان.
6- دفع فروقات الرواتب وعلاوة غلاء المعيشة وقد صدرت فيها قوانين.
7- النفقات المواكبة والمكملة لقروض خارجية، وهي تمثل الجزء المحلي من النفقات الاستثمارية والتي يتم إقرارها بموجب قوانين خاصة أقرها مجلس النواب وتنفق وفق ذات الآلية التي تنص عليها اتفاقية وقوانين القروض التي أجازت ذلك والممتدة على مدى عدة سنوات قادمة.
وأعلن ان الجدول رقم اثنين يبين كيف تم التوصل إلى الرقم 11 مليار دولار، والجدول رقم ثلاثة يبين أبرز البنود التي تفسر تلك الفروقات التي وصل مجموعها إلى حوالي سبعة عشرة ألف مليار ليرة أي ما يعادل أحد عشرة مليار دولار والتي سأشرحها لكم من خلال الجدولين اثنين وثلاثة.
وأشار إلى أن الإنفاق الذي تم، أكان ذلك من اعتمادات الموازنة او من حساب الخزينة وعلى مدى جميع تلك السنوات الأربع لم يكن إنفاقا مخالفا للقانون بل كان قانونيا كامل الأوصاف، بموجب قوانين صادرة عن المجلس النيابي. فضلا عن ذلك، فقد كان الإنفاق يخضع، وقد خضع لذات الأصول ولذات الآليات المنصوص عنها في قانون المحاسبة العمومية والتي تبدأ بالمراقبة والموافقة المسبقة واللاحقة من قبل مراقب عقد النفقات ومن قبل ديوان المحاسبة، إذ كانت تمر عملية التصفية والصرف بمديرية الصرفيات ومديرية الخزينة ومن ثم يتم الدفع عبر مصرف لبنان.
وقال: «خلافا لما يدعيه البعض بأن ذلك الإنفاق غير مدون في حسابات وزارة المالية وان ذلك الإنفاق يفتقر إلى المستندات الثبوتية، فإنه وعلى عكس ذلك فإن عمليات الإنفاق هي مدونة بالكامل في سجلات الوزارات التي قامت بها، إضافة إلى تسجيلها في سجلات وزارة المالية وفي مختلف الوحدات والوزارات التي تعنى بعملية العقد والتصفية والصرف. وان جميع المستندات الثبوتية وقيودها المحاسبية موجودة في وزارة المال، وكذلك في الوزارات المعنية وصولا إلى مرحلة إعداد قطع الحساب وإعداد حساب المهمة العام»، «لو أن تلك النفقات كانت غير مدونة في حسابات وزارة المالية لما استطاعت وزارة المالية تكوين وضعية المالية العامة الشهرية والسنوية، وبالتالي نشر تلك الأرقام على مدى جميع السنوات السبع والعشرين الماضية. وهي الأرقام التي تم الاستناد إليها لاحتساب فرق الأحد عشر مليار دولار. المؤسف أن البعض يعمد لتحوير تلك الحقائق وقلبها، وبالتالي اتخاذها منصة لإطلاق تلك الأضاليل والمزاعم».
وقال: «بالمناسبة، فإن المدير العام للمالية كان موجودا في موقعه هذا منذ العام 1999 وهو الذي كان ومازال مشرفا ومسؤولا وبشكل كامل ومباشر عن كل أمر يمت بصلة إلى مديرية المالية العامة المسؤولة عن مديريات الموازنة والمحاسبة العامة والواردات والصرفيات والخزينة والديوان والضريبة على القيمة المضافة وبالتالي هو الذي ينبغي ان يسأل عن الحسابات وعن تلك القيود التي أشار إليها أحدهم والذي استشهد بما يقول إنه ورد في تقرير وزير المالية الذي لا نعرف عنه شيئا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: من سرب له تلك التفاصيل قبل تقديمها إلى مجلس الوزراء، ولذلك يجب أن يسأل المدير العام للمالية عن كل تلك الأمور التي هي من مسؤوليته المباشرة».
واعتبر السنيورة «ان ما يدلي به البعض من عدم وجود أي مستندات وسجلات لتلك النفقات ما هو إلا نكتة سمجة لا يمكن أن يقبلها عقل وهدفها تشويه صورة تلك الحكومات التي تراسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري، واللجوء إلى أساليب غير مشروعة وغير صحيحة من أجل النيل من صورته وصورة رؤساء الوزراء الذين تعاقبوا بعده. والحقيقة أن ذلك الادعاء عار عن الصحة جملة وتفصيلا وما الكلام الذي أدلى به وزير المال محمد الصفدي في حينها وقوله أن كل المبالغ مسجلة في وزارة المال إلا خير رد على تلك الأضاليل والافتراءات».
وقال: «يتبين مما تقدم، الإجابة الواضحة على جميع الأسئلة الستة الواردة أعلاه وعلى عكس ما يريده مطلقو تلك التهم الباطلة: «ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون». والحقيقة المرة التي تنطبق عليهم هي تلك الآية الكريمة: «وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون».
اضاف: «هذه هي الحقيقة الكاملة، ولقد أعددت دراسة كاملة تشرح هذه المسائل بالتفصيل ولسوف أزود بها رئيس الجمهورية، وكذلك رئيس الحكومة متمنيا عليه توزيعها على الوزراء، وكذلك بنسخة لرئيس مجلس النواب، متمنيا عليه توزيعها على النواب، واللجان المختصة في المجلس النيابي، كذلك وأزود بها الصحافة والرأي العام لمن يحب ان يتبحر بأصول المالية العامة للدولة اللبنانية ليميز الخبيث من الطيب».
الهبات معظمها عينية
IV- مسألة الهبات:
وتابع: «أما في موضوع الهبات فإن معظم الهبات التي كان يتلقاها لبنان على مر السنوات الماضية كانت هبات عينية وهي مسجلة في محاضر مجلس الوزراء ويمكن استخراجها بسهولة. إلا أنه لا يمكن تسجيلها في حساب الموازنة. فاكتساب الموجودات لا يمكن ان يدخل في حساب الموازنة. أود أن أسأل هنا من منكم يعرف الفرق بين الموازنة والميزانية؟ الحقيقية هي أن معظم اللبنانيين يستعملون العبارتين لوصف ذات الشيء وهذا غير صحيح».
واوضح ان «الموازنة هي تصريح بالإنفاق وهو يعني تدفقات مالية للإنفاق لفترة مستقبلية معينة، بينما الميزانية هي مجموع الموجودات والمطلوبات في تاريخ محدد. ولبنان كما هو الحال في جميع دول العالم لا يعد ميزانية للدولة اللبنانية».
وقال: «أما بالنسبة للهبات النقدية وهي قليلة جدا، ففي الغالبية الساحقة، كان الواهب يحتفظ بها في حسابات يتولى هو فتحها أو تحريكها وإنفاقها، وهي كانت إما لاكتساب موجودات لصالح الدولة أو لتسديد نفقات عنها. وبالتالي لا يمكن لحظ تلك المبالغ في الموازنة ولا يمكن أيضا إيداع تلك المبالغ في خزينة الدولة اللبنانية، لأن الواهب يحتفظ بها في حسابات خاصة ويحتفظ بحق التوقيع عنها وحسب مشيئته. في تلك الحالات لا يمكن بالتالي إخضاع تلك الهبات لذات القواعد والأساليب المعتمدة في الدولة اللبنانية للإنفاق. خلاف ذلك، فإن كل مبلغ أو حوالة مصرفية حصلت عليها الخزينة اللبنانية أو قدمت إلى لبنان في الفترة الماضية، قد جرى إيداعها في البنك المركزي في حساب الخزينة وجاءت بعلم مجلس الوزراء».
«أما بالنسبة للعام 2006 وبعد الاجتياح الإسرائيلي، فقد جرى إيداع تلك المبالغ النقدية التي قدمت للبنان وبمعرفة مجلس الوزراء، في حسابات الهيئة العليا للإغاثة في مصرف لبنان، وحيث يوقع على ذلك الحساب المفوضان بالتوقيع عنها وهما رئيس الهيئة العليا للإغاثة ومدير المحاسبة فيها. ولقد كان يتم ذلك وفق آلية فيها الضوابط اللازمة وتتطلب في المحصلة موافقة عدة أطراف آخرين، وتحديدا مجلس الجنوب في منطقة الجنوب وصندوق المهجرين لباقي المناطق اللبنانية قبل أن يوقع رئيس الهيئة العليا للإغاثة وبالتالي قبل أن يتم الإنفاق. ولقد تم اعتماد هذا الأسلوب للإسراع في دفع المبالغ اللازمة للبدء بعملية الإعمار والترميم خلال وبعد العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006. هل نسوا ذلك؟ يا للعجب!!!».
ورأى ان «المصيبة المحزنة الماثلة أمامنا أن من يدعون تمثيل بعض المواطنين من الذين دمرت أو تضررت منازلهم في حرب تموز 2006 هم الذين ينكرون الآن على الحكومة ما قامت به من جهود مضنية، وهو مسؤوليتها وواجبها، من أجل الإسراع في عودة النازحين اللبنانيين إلى منازلهم وفي الإسراع في دفع التعويضات من أجل تمكينهم من ترميم المنازل وهو ما مكن الحكومة اللبنانية من تحقيق إنجاز غير مسبوق في استعادة الحياة الطبيعية إلى لبنان وبمناطقه كافة ومنها عودة التلامذة إلى مدارسهم في شهر نوفمبر من العام 2006، وبدلا من أن يقال للحكومة ورئيسها: «الله يعطيكم العافية»، توجه السهام المسمومة لها ولرئيسها. هل هذا شيء يصدق؟!».
وقال: «في هذا الصدد، أود أن أقول أن جميع تلك المبالغ التي تلقاها لبنان قد أودعت في مصرف لبنان ومعروف كيفية إنفاقها ولمن دفعت تلك المبالغ وهي مسجلة في حسابات الهيئة العليا للإغاثة، إذ تظهر التقارير الدورية الصادرة عنها كل المعلومات المتعلقة بالإنفاق. ولقد صدر كتاب خاص بذلك أعده رئيس الهيئة العليا للإغاثة اللواء يحيى رعد.
كذلك فإن تلك المعلومات مبينة أيضا في حسابات الهيئة لدى مصرف لبنان إذ أن كل مبلغ دفع من قبل الهيئة كان بموجب شك يصدر باسم المستفيد الأول وذلك خلافا لما كان يرغب به الحزب وغيره. ولمن يريد أن يتحقق من ذلك فلديه كل الإمكانية ليتثبت من كل قرش تسلمته الحكومة اللبنانية وكل قرش دفع للمتضررين.
ولقد لفتني كلام أحدهم عن مبالغ أخرى من الأموال وكأن هناك أموالا أخرى قد منحت للبنان وهي غير ظاهرة في حسابات الهيئة في مصرف لبنان. فليخبرنا من يتحدث عن هذا الموضوع بغير علم من قدم تلك الأموال، وليسأل تلك الدول عما إذا كانت قد قدمت مبالغ غير ما هو مسجل في حسابات الهيئة ومصرف لبنان، وأين أودعت. يا للعجب!! وكما يقول المثل العامي: «الكذب على الميتين وليس على الأحياء».
الفساد السياسي
وقال السنيورة: «هذه هي النتيجة من جراء إطلاق الشائعات والأضاليل من قبل أصحاب النوايا السيئة، التي تؤدي في المحصلة إلى الشحناء والبغضاء وإثارة الفتن وعدم الاستقرار. ليس ذلك فقط، بأنها لا تؤدي إلى إيجاد الحلول كمثل هذه المسألة العائدة للأحد عشر مليار دولار التي لم تكن إلا عاصفة في فنجان وكان بالإمكان حلها بالعودة إلى الأصول وبإقرار الموازنات واعتماد المعالجات التي نصت عليه القوانين».
«ودعوني أستشهد هنا بطرفة كنت قد تحدثت عنها في إحدى جلسات الهيئة العامة لمجلس النواب قبل فترة والتي تقول: إن أحدهم، وبينما كان يمشي في أحد شوارع المدينة عقب غروب الشمس، إذا به يصادف رجلا منحنيا يفتش في الأرض تحت ضوء البلدية. فتوقف عنده ليسأله عما يبحث. فأجابه: بأنه يبحث عن ليرة ذهبية أضاعها. قال له وأين أضعتها؟ فأشار له ذلك الرجل إلى مكان بعيد عن وجودهما وبأنه أضاعها هناك. فقال له: ولماذا تبحث عنها هنا إذاً؟ فرد عليه قائلا: لأنه يوجد هنا بعض النور يمكن أن أستضيء به، هذا مع إدراك ذلك الرجل بأنه لا يفتش في المكان الصحيح.
هذا يعني أن التفتيش عن حل للمشكلات التي يعاني منها مجتمعنا اللبناني، ومن ذلك مسألة الفساد، إنما يتم البحث بها وعنها بالطريقة وفي المكان الخطأ، وهذا لا يؤدي بنا للوصول إلى الحلول الناجعة والصحيحة لتلك المشكلات ومنها مشكلة الفساد.
لذلك، وتأكيدا على ما ذكرته آنفا، فإنه ووضعا للأمور في نصابها لا بد من التأكيد وفي نهاية حديثي، على بعض النقاط الأساسية ولاسيما في موضوع الفساد الذي طغى الحديث بشأنه على كل شيء آخر وإن كان يجري تناوله كما درجنا عليه في الماضي وحتى الآن في المكان والطريقة غير الصحيحة.
أولا: إن الفساد الأكبر والشر الأعظم هو الفساد السياسي، ويعتبر فاسدا سياسيا كل من يقيم دويلات داخل الدولة، ويسيطر على مرافقها، ويغل يد القانون عن الوصول الى أي كان وإلى كل مكان، ومن يعطل الاستحقاقات الدستورية، ومن يحول دون تطبيق الأنظمة والقوانين، ومن يسخر النصوص القانونية فيجعلها كالجواري في بلاط القوة الفائضة.
ثانيا: ويتفرع عن الفساد السياسي الفوضى في النظام العام والارتباك في الوظيفة العامة واستتباع الدولة ومؤسساتها لصالح الميليشيات وملوك الطوائف وفقدان السيطرة من قبل رجال السلطة وتعدد الولاءات وانفساح المجال واسعا أمام التعدي على القطاع العام ونهب ثرواته ولجوء المرتكبين إلى طوائفهم لكي يحتموا من الملاحقة والمحاسبة.
ثالثا: ويتفرع عنه أيضا ضعف الانتماء الوطني ليتحول إلى انتماءات مذهبية وطائفية بحيث تفقد الهوية الوطنية طابعها الموحد للمواطنين فتضيع بذلك المساواة فيما بينهم.
رابعا: ويتفرع عن هذا أيضا وأيضا فقدان المعايير وضياع مرجعية الدستور بحيث يمكن للمهيمنين أن يعدلوا الدستور بالممارسة كما يقولون ويبتكروا في كل يوم قاعدة جديدة تخدم مصالحهم المتبادلة بحسب الظروف والأحداث. من هنا فإن من نصب نفسه واليا للحسبة من دون أن تكون لديه المرجعية الأخلاقية ولا القانونية لمحاسبة الآخرين يرفض بصورة كلية الاحتكام إلى علم المحاسبة والتدقيق ومرجعية المستندات ويتحصن خلف عقيرته العالية وفظاظة تعابيره لكي يبقي على نفسه سلطانا جائرا، ويبقي قبضته في الوقت ذاته على سائر المواطنين ويضعهم في حالة اتهام دائم بوطنيتهم وشرفهم واستقامتهم ونظافة كفهم. وبناء على ذلك، يجلد المستهدفون من اللبنانيين يوميا من قبل من يتشبه ويا للأسف بأسلوب المحاكمات الميدانية التي كان يرأسها المهداوي أيام حكم عبد الكريم قاسم في العراق أو تلك التي شهدتها فرنسا عقب الثورة الفرنسية، ويمارسه ضد الشرفاء.
خامسا: ويتفرع من هذا أيضا الاستهانة بالمالية العامة وبإيراداتها وضرائبها ورسومها الجمركية ومكوسها فتتحول الدولة إلى مزرعة يجنون ثمارها ولا يحرثون فيها.
سادسا: الخلاصة: إن من أدخل نفسه في مأزقه السياسي وتورط في النزاعات الإقليمية والدولية معرضا مصالح لبنان واللبنانيين والدولة، والتي لا قدرة لها ولهم على مواجهتها وأخذ الدولة رهينة وعرضها للمخاطر وعطل مؤسساتها ومواعيدها الدستورية، ومنع دوران العجلة الاقتصادية بصورتها الطبيعية وحجب أموال الجمارك عن خزينة الدولة عبر رسوم جمركية خاصة به في عدد من المنافذ، والذي صادر قرار الحرب والسلم، وخاض حروبا مدمرة للبلد واقتصاده وبنيته التحتية والتي كلفت الخزينة أموالا باهظة وحالت دون استمرار تحقيق النمو المستدام، إذ أدخل البلاد في مرحلة من التراجع الاقتصادي ابتداء من العام 2011 حيث انخفض النمو إلى حدود الواحد بالماية سنويا بعد أن بلغ 8.5% سنويا على مدى السنوات 2007-2010، وفرض تحول الفائض الكبير في ميزان المدفوعات إلى عجز كبير مزمن، كذلك منذ العام 2011. وهو من دفع إلى تهميش مؤسسات الدولة، والذي لم يصرح عن الهبات الإيرانية المباشرة دون علم الدولة بها، وهو يتصرف وكأنه امتداد لنظام أجنبي، والذي احتل ساحات الوطن واعتدى على المواطنين الآمنين في حياتهم وأمنهم وأملاكهم، والذي يحاول إدخال لبنان في سياسة المحاور والتدخل في شؤون الدول الشقيقة والمشاركة في قتل أبنائها، وذلك خلافا للسياسة التي اعتمدتها الحكومة بالنأي بالنفس.
وأكد «ان من فعل ويفعل كل ذلك لا يحق له ولا ينبغي أن يستتر في مأزقه وراء غبار غث لا يدوم. ولدينا ما يكفي من الضوء لكشفه وتبديده. فمن عاش حياته في كنف الدولة وظل القانون وأنفق خبرته وجهده في خدمة مشروع النهوض الوطني وتحديث مالية الدولة لا تشغله هذه الحملة الجديدة من الافتراءات التي اعتاد عليها فصدها في كل مرة وهو مستعد لصدها في كل حين».
أسئلة وأجوبة
وردا على سؤال، استغرب الرئيس السنيورة، كيفية تسريب معلومات التقرير الذي كان يعده وزير المال الى النائب حسن فضل الله، رافضا «توجيه أي اتهام لاحد».
وقال: «يجب دراسة الموضوع بوضوح، وهذا الامر يذكرنا بأجواء فضيحة برج حمود».
وعن عدم ثقته بالمدعي العام المالي علي ابراهيم، كرر السنيورة استغرابه من تسريب التقرير الى فضل الله، مؤكدا «انه يثق بالاداء، ولذلك عليه ان يرى بعينه هذا الاداء»، مؤكدا ان «الاموال موجودة ولها مستنداتها ومن يسأل عنها هو مدير عام المال».
واضاف: «ليس هناك غطاء على أحد في الدنيا، وليس هناك مانع من ان يفرض القانون على الجميع، لكن يجب على الدولة ان تظهر حياديتها وموضوعيتها لا ان تركب الملفات»، معتبرا ان «كل ما نسمعه من ضجيج هو تحضير لتركيب ملفات».
واعتبر السنيورة ان «حزب الله» يبحث في مسألة الفساد في غير مكانها، وان الدولة عندما تثبت حياديتها فعلى كل انسان ان يمثل امام القضاء».
وعن سبب اعتبار نفسه معنيا ومتهما من قبل فضل الله، قرأ السنيورة ما ورد في مؤتمر فضل الله حين رد على سؤال يتهم السنيورة شخصيا بالنهب المنظم، ورد فضل الله بأنه يتهم عدة اشخاص ورئاسات الحكومة السابقين، قال السنيورة: «ان فضل الله بهذا الجواب سمى السنيورة وفريقه السياسي».
وعن عدم تحميل المسؤولية لحلفاء «حزب الله» الذين كانوا مشاركين في الحكومات السابقة، اكد ان حلفاء الحزب كانوا مشاركين في حكوماته.
وعما اذا كان يواجه الحسابات المالية بحسابات سياسية مع وجود نواب ووزراء في المؤتمر الصحافي، قال: «انني قوي في وجدان الناس وادافع عن حقوقهم منذ ان كنت وزيرا للمال ومن ثم تولي رئاسة الحكومة والنيابة حيث كنت أمثل مصالح الناس الحقيقية ولم أستخدم عملية البيع والشراء والتنازلات من هنا وهناك من اجل كسب سياسي»، مشددا على انه يستقوي بالحق.
وردا على سؤال اذا كان يخاف من الملاحقة القانونية وما اذا كان رئيس الحكومة سعد الحريري تخلى عنه بدليل عقده لمؤتمره الصحافي في نقابة الصحافة، اكد السنيورة انه لا يخاف الا من الله وانه قوي في ضمائر الناس وان اكثرية اللبنانيين يؤيدونه، معتبرا انه «لا يوجد فرق بينه وبين «تيار المستقبل» والرئيس سعد الحريري يقف الى جانبه، وجميع نواب التيار اتوا اليوم لاثبات دعمهم له».
وعما يحكى من ان ما أثير ضده هو لتغطية انسحاب «حزب الله» من سوريا، اعتبر السنيورة «ان كل ما اثير في الموضوع المالي هو زوبعة في فنجان، وان البعض يبني قضية لاستخدامها في المقايضة».
ورأى السنيورة انه «لا يمكن فصل شخصه عما يمثل، وانه وفريقه السياسي والافكار التي يحملها مستهدفون، الى جانب كل الذين يؤمنون باستقلال لبنان وحريته، وان ثمة من يحاول ان يبني قضية لاستخدامها في المقايضات او الضغوط او حرف الانظار عن الامور الاساسية».
وعن الهبة الايرانية التي قدمت الى لبنان في العام 2006 ابان حرب تموز، لفت السنيورة الى انه حين كان رئيسا للحكومة استدعى السفير الايراني عدة مرات وشكره، وابدى له كل التقدير على المساعدات الايرانية للبنان، لكنه طلب منه تقديم احصاء عن التقديمات الى الدولة، فقوبل الطلب بالرفض من الجانب الايراني.