المونسنيور ايفان سانتوس: لبنان يشكّل مصدر إلهام وتفكير للجميع
حجم الخط
نص كلمة القائم باعمال السفارة البابوية في لبنان المونسنيور ايفان سانتوس
"فخامة الرئيس،
يسرّ السلك الدبلوماسيّ المعتمد في لبنان، أن يجتمع اليوم، ليتقدم
من فخامتكم، ومن خلالكم، إلى جميع اللبنانيّين، بامنياته الحارّة للسنة
الجديدة، لكي تكون سنة سلام، غنيّة بكلّ خير.
في الوقت عينه، يعزّ عليّ أن أوجّه، باسم السلك الدبلوماسي، تعازيّ
إلى سعادة السفير البريطانيّ، في ذكرى العزيزة ربيكا دايكس، التي توفيت
بظروف مأساوية الشهر الفائت.
اننا إذ ننتظر تعيين سفير بابوي جديد لدى لبنان العزيز، أُعطي لي
الشرف أن أوجّه اليكم هذه الأمنيات، فخامة الرئيس، في وقت بالغ الأهميّة في
الحياة السياسيّة في لبنان. إنّ تاريخ هذا الوطن الذي يربو على آلاف
السنين من الحريّة والتعايش، لا يزال يشكّل مصدر إلهام وتفكير للجميع. وهذا
ما أعرب عنه السفير اللبنانيّ شارل مالك سنة 1946، يوم كان يعمل على صياغة
الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان، التي نحتفل هذه السنة بذكراها السبعين:
"إذا كان من مساهمة نقدّمها (لبنان)، فهي تندرج في إطار الحريّات
الأساسيّة، أي حريّة التفكير، حريّة الضمير، وحريّة الوجود".
يصادف هذه السنة أيضًا العيد الخامس والسبعون لإستقلال لبنان، هذا
الوطن الثابت والغالي، العزيز على قلوب اللبنانيين الّذين لا يألون جهداً
للمحافظة عليه ولصونه. ويشكّل هذا العيد فرصة جوهريّة للعودة إلى ركائز بلد
الأرز. كما ويمكن لهذا العيد أن يساهم في إحياء المبادئ والقيم التي توحد
المجتمعين السياسيّ والمدنيّ. وبامكانه أيضًا المساهمة في التفكير، بشكل
أعمق، حول ما يسمح لهما بالتقدّم والنموّ.
إنّ ما يربط المجتمع، والسياسة، والعالم، إنّما هي العدالة، والتعايش،
والاعتدال، والأخوّة. إنّها قيم يشهد لها اللبنانيّون أينما حلّوا في
العالم، وقد اثبتموها أنتم، فخامة الرئيس، خلال أزمة الخريف الماضي، بتغليب
مصلحة الوطن وكرامة ابنائه على الاختلافات، وذلك عبر الإصغاء والاهتمام
الحقيقيّ بالوحدة.
هذه الرغبة في الوحدة تجلّت أيضًا، العام الفائت، في الجهود والصلابة
التي اظهرها الجيشُ اللبناني والقوى الأمنيّة عبر إعلاء الحسّ بالواجب،
ممّا سمح بصون سلامة اراضي لبنان. وقد ظهر ذلك خصوصًا عندما تحرّر لبنان من
الوجود الإرهابيّ على أراضيه. إنّ الجيش اللبناني والقوى الأمنيّة، عبر
أعمالهم وتضحياتهم، عادوا فأعطوا الشعب اللبناني نفحة أمل وفرصة لحياة
جديدة.
ولكن بكلّ أسف، نتيقن أنّه حتى اليوم، يتمّ استعمال العامل الدينيّ
كمسوّغ للإنغلاق والإقصاء والعنف، عوض أن يوفّر هذا العامل بالذات مسيرة
انفتاح على الآخرين. أشير هنا، بشكل خاص، إلى الإرهاب ذي الطابع الأصوليّ،
الذي حصد حتّى السنة الفائتة ضحايا كثيرة، في لبنان وخارجه، والذي أودى
بحياة جنود كانوا يحاولون صون البلد.
في هذا الإطار الدوليّ المعقد والمأزوم، منح هذا البلد على الدوام
المساعدة والملجأ لاولئك الهاربين من الحروب. أود هنا الاستشهاد بكلام
قداسة البابا فرنسيس أمام السلك الدبلوماسي المعتمد لدى الكرسي الرسولي،
الأسبوع الفائت: "هذه البلدان التي تختبر أوضاعًا صعبة، تستحق التقدير
والمساعدة من قبل المجتمع الدولي المدعوّ، في الوقت عينه، إلى العمل على
خلق الظروف الملائمة لعودة النازحين إلى بلدهم. إنّه التزام يجب أن يقوم به
المجتمع الدولي بشكل محسوس، بدءًا من لبنان، حتّى يظلّ هذا البلد العزيز
"رسالة" للاحترام وللتعايش، ومثلاً يُحتذى به، في المنطقة وفي العالم
كلّه".
نحن جميعًا، الحاضرين هنا، وقد كنّا شهودًا على الإجماع الواسع الذي
سمح للبنان بالوصول إلى تفاهم بين جميع مكوّناته وقواه السياسية من أجل
انتخاب فخامتكم رئيسًا للجمهوريّة، نأمل أن تدوم روح التفاهم ذاته في زمن
الإنتخابات النيابيّة التي سوف تجري في السادس من أيّار المقبل. إنّها فرصة
لتقوية الديموقراطيّة السياسيّة التي تتمحور حول التوازن بين الحقوق
والواجبات، حول مبدأ المسؤوليّة وقيم التضامن الاقتصاديّ والاجتماعيّ، وفق
ما نصّت عليه المادة السابعة من الدستور اللبنانيّ.
فخامة الرئيس،
منذ قرن، كان العالم لا يزال غائصًا في الحرب العالمية الأولى، تلك
المجزرة العبثيّة. تشكّل سنة 2018 ذكرى نهاية تلك الحرب. إنّ السنة الجديدة
التي تبدأ، تمنحنا، إذًا، الفرصة للإحتفال بالسلام، كما وصف ذلك، بشكل
مميّز، الكاتب المشهور جبران خليل جبران: "أنتم حاضرون في أعمال الأناس
الآخرين الّذين، بدورهم، ولو بدون معرفتهم، هم موجودون معكم في كلّ يوم من
أيّامكم. لن يقعوا إذا لم تسقطوا أنتم معهم، ولن ينهضوا إذا لم تقدروا على
الوقوف".
فخامة الرئيس،
نتمنّى لكم شخصيّا، لعائلتكم، لمؤسّسات الجمهوريّة، لأعضاء الحكومة، وعبر شخصكم، للشعب اللبنانيّ بكامله، عامًا سعيدًا.
عاش لبنان".






