عون في باريس رئيساً منذ نفيه سياسياً قبل 26 عاماً: حفاوة رسمية وبرنامج حافل بالمحطات
حجم الخط
باريس - كارول سلوم:
منذ ان افتتح رئيس الجمهورية العماد ميشال عون جولاته الخارجية في بداية العام الحالي والتي رغب في أن تكون عربية، حتى انطلقت المواعيد المفترضة إعلامياً لزيارته إلى فرنسا، خصوصا ان العرف ساد أو قضى بأن تشكّل بداية الاطلالات لرئيس الجمهورية المنتخب إلى الخارج، غير ان الحراك الداخلي في البلاد وربما مقتضيات التسوية وانطلاق عجلة المؤسسات ومواكبة الاستحقاقات كما وانشغال المسؤولين الفرنسيين بالانتخابات الرئاسية في فرنسا حتّما تأخير الموعد إلى الخامس والعشرين من أيلول من العام الحالي، وقد شاءها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ان تكون زيارة دولة، وهي زيارة جاءت انتصاراً للحقيقة التي طمست 26 عاماً وفق قول الرئيس عون نفسه في الطائرة التي اقلته إلى باريس. فهو عاش في هذه الدولة «منفياً سياسياً». إذ في عهد الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران، لم يعقد لقاء بينهما على الرغم من القول المتكرر لميتران ان القضية اللبنانية مرتبطة به، أما في عهد الرئيس جاك شيراك، فكان الحصار للجنرال عون وقتها على اشده ثم اتى في العام 2010 الرئيس نيكولا ساركوزي وصحّح ما حصل، وعندما زار الرئيس ايمانويل ماكرون لبنان في 24 كانون الثاني وكان مرشحاً للرئاسة الفرنسية، بدا مصمماً على ان تركيزه سينصب على أولويات لبنان، وبعيد انتخابه وجه الدعوة إلى الرئيس عون لترجمة ذلك.
ومنذ ان وصل إلى العاصمة الفرنسية أمس، ظهرت حفاوة الاستقبال، بما يتلاءم مع عنوان الزيارة، وكانت الترتيبات بنجاحها قد سبقتها، ففرنسا اليوم تعد العدة لمؤتمرات تساعد لبنان سياسيا واقتصاديا وعسكريا (تسليح الجيش)، سواء من خلال رعايتها المباشرة لها أو من خلال مساهمتها لها.
لا تتحدث المصادر المواكبة للزيارة عن مبادرة ما في ملف النازحين السوريين، لكنها تؤكد ان الجانب الفرنسي المتفهم لهواجس لبنان الرسمي من تداعيات هذه القضية يعلن طلب الاستمرار في هذه الاستضافة إلى حين تأمين العودة الآمنة لهم. اما مجموعة التواصل التي انعقدت في نيويورك وزكّت دخول إيران على خط هذا الملف، فتعول وفق هذه المصادر، على دور لبنان لإقناع الدول المناوئة لإيران بدورها التنسيقي، دون ان تخفي احتمال أن «يقلع» هذا الأمر من خلال تكامل مجموعة الاتصال مع عملية الاستانة. ومعلوم ان لبنان مدعو إلى هذا المؤتمر كمراقب.
وعكست الزيارة بعناوينها المتشعبة الرغبة الفرنسية المتجذرة باستمرار دعم لبنان، في حين ان الحرص اللبناني على مواصلة تقوية العلاقات بين البلدين في عهد الرئيس ماكرون أعلنه الرئيس اللبناني، الذي بدا مرتاحاً لها منذ اللحظة الأولى التي وصل فيها العاصمة الفرنسية.
لا ارتدادات أكثر من كبيرة للقاء الوزيرين وليد المعلم وجبران باسيل في نيويورك. فهو لقاء بين وزيري خارجيتي بلدين، وتقول مصادر سياسية هنا: «انتظروا عدّة أسابيع، فالامور اقليميا ودوليا قابلة للتغيير والجميع سيتهافت للتنسيق مع النظام السوري».
وكما هو البروتوكول المعتمد في زيارة الدولة، لبى الرئيس عون جميع محطاتها، واحتشد لبنانيو فرنسا للترحيب به في الشوارع المؤدية إلى قصر الاليزيه، اما الصحافة الأجنبية فأفردت لها حيزاً من التغطية.
واليوم الأوّل للبنان في فرنسا توّج بمحادثات بين الرئيسين اللبناني والفرنسي تبادلا في خلالها وجهات النظر والمواقف من عدد من القضايا، فكانت هذه الزيارة وفق المقربين من الرئيس عون هي الحدث الأساسي والرسالة الأبرز لمن يقرأ في السياسة. خصوصا ان الخلوة التي جمعت الرجلين استغرقت طويلاً ما فسّر انها كانت ممتازة وفق مصادر الوفد اللبناني التي رفعت شارة الإيجابية بشأنها.
داخلياً، لا يحبذ الرئيس عون السؤال «ماذا يحصل؟» فهذا السؤال لا يمكن توجيهه إذا كان الوطن على هبوط، وقد أجرى رئيس الجمهورية قراءة لقرار المجلس الدستوري، وما يجري على صعيد ملف سلسلة الرتب والرواتب.
إشارة إلى ان وفدا نيابيا قوامه آلان عون وسيمون أبي رميا ونبيل نقولا وجيلبيرت زوين رافق الرئيس عون في زيارته إلى فرنسا، وهم النواب الذين يحملون الجنسية الفرنسية.
محادثات مع ماكرون
وكان الرئيس عون استهل زيارته الى فرنسا بزيارة نصب الشهداء في ساحة النجمة في باريس عند قوس النصر، حيث وصل ترافقه اللبنانية الاولى واعضاء الوفد اللبناني الرسمي، وكان في استقباله وزيرة الدفاع والقوى المسلحة الفرنسية فلورانس بارلي وحاكم باريس العسكري الجنرال برونو لو راي وحراس الشعلة وهم من المحاربين القدامى الذين خاضوا حروبا خارج فرنسا وعدد من المسؤولين السياسيين والمنتخبين. وبعد عزف موسيقى الحرس الجمهوري الفرنسي النشيدين اللبناني والفرنسي، عرض الرئيس عون ثلة من حرس الشرف الفرنسي قبل ان يضع اكليلاً من الزهر على نصب الشهداء.
بعد ذلك، صعد الجميع الى الموكب الرسمي وانتقلوا الى قصر الاليزيه، عبر جادة الشانزيليزيه الممتدة من قوس النصر الى قصر الاليزيه حيث عقد محادثات مع الرئيس ماكرون استمرت زهاء الساعة عقدا بعدها مؤتمرا صحافيا مشتركاً اكد فيه الرئيس الفرنسي، ان «اللقاء كان مكثفا وغنيا وعزز قناعاتنا المشتركة بضرورة العمل معا لمواجهة التحديات».
وقال: «لبنان يجب أن يبقى نموذجا للتعددية والتسامح والديمقراطية، وأنوه بالتقدم الذي حصل في البلاد منذ انتخاب رئيس الجمهورية، ولبنان حقق تقدما ملحوظا منذ انتخابكم خصوصا على صعيد اقرار قانون جديد للانتخابات العامة وضرب الارهاب».
كما اكد «حرص فرنسا تحرص وتشجيعها قيام دولة قوية في لبنان لضمان الأمن على المدى الطويل».
ولفت الى ان «فرنسا ستعمل مع لبنان والامم المتحدة لمواجهة أزمة اللجوء السوري»، مشيدا بـ«جهود لبنان في استقباله للنازحين».
واشار الى ان «لبنان واجه ضربات كبيرة من الارهاب، وأحيي هنا شجاعة الجيش اللبناني».
من جهته، قال الرئيس عون: «قمنا بتحليل واستعراض واقع الشرق الاوسط وبحثنا سبل الحل السلمي للأزمة السورية».
ولفت الى ان «فرنسا جاهزة لمشاركة لبنان ومساعدته في رحلة التجدد التي اطلقناها».
واشار الى ان «الحرب في سوريا باتت قريبة من وضع اوزارها وبوادر الحل السلمي بدأت تلوح في الافق وننتظر نجاح المفاوضات. وذكرت الرئيس ماكرون بضرورة تنظيم عودة النازحين السوريين الى بلادهم، لاسيما ان مناطقهم باتت آمنة وعلى الامم المتحدة العمل على ذلك».
واوضح عون انه «اثار موضوع الصراع العربي - الاسرائيلي حيث لا زالت اسرائيل تخرق السيادة اللبنانية في تحد فاضح للقرارات الدولية». وشدد على ان «تطبيق القرار 1701 هو أولويتنا للحفاظ على السلام في المنطقة، ونحيي الدور الهام الذي تلعبه القوات الفرنسية ضمن قوات اليونيفيل».
وافتتح الرئيسان اللبناني والفرنسي بعد ذلك، معرض مسيحيي الشرق في معهد العالم العربي في باريس.
الوصول إلى باريس
وكان رئيس الجمهورية وصل وعقيلته الى مطار لوبورجيه العسكري في العاصمة الفرنسية امس في بداية «زيارة دولة» تلبية لدعوة للرئيس ماكرون. ورافق الرئيس عون وفد رسمي ضم وزيري الخارجية والمغتربين جبران باسيل، الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية بيار رفول، والسفير اللبناني في فرنسا رامي عدوان ومدير الشؤون السياسية في وزارة الخارجية السفير غادي خوري.
وكان في استقبال الرئيس عون على ارض المطار اضافة الى السفيرين عدوان وخوري السفير الفرنسي لدى لبنان برونو فوشيه وعدد من اركان السفارة اللبنانية في فرنسا, ومندوب لبنان الدائم لدى بعثة الاونسكو السفير الدكتور خليل كرم واعضاء البعثة. وعلى الفور، انتقل رئيس الجمهورية الى مقر الاقامة في فندق بلازا اتينيه ليترأس اجتماع عمل تنسيقيا وضعت خلاله اللمسات الأخيرة على برنامج العمل طوال فترة الزيارة.
وفي الرحلة من بيروت الى باريس، اعرب عون لاعضاء الوفد الاعلامي المرافق، عن سعادته للقيام بــ«زيارة الدولة» تلبية لدعوة من الرئيس ايمانويل ماكرون. وعندما سئل عن شعوره بزيارة فرنسا رئيساً للجمهورية بعدما عاش منفيا سياسيا فيها، قال: «انها انتصار للحقيقة التي طمست 26 سنة».
وعن موقفه من قرار المجلس الدستوري حول القانون الضرائبي، اشار الرئيس عون الى ان الكثير من الحيثيات التي استند اليها المجلس الدستوري لاصدار قراره كان لفت الانتباه إليها، وابرزها ضرورة اقرار الموازنة وتضمينها الاعتمادات اللازمة لتغطية سلسلة الرتب والرواتب والمادة 87 من الدستور التي تتحدث عن قطع الحساب. واشار الى اجراءات تتخذها الحكومة مع مجلس النواب لتصحيح ما اعتراه القانون الضرائبي من شوائب وخلل.
واعتبر ان سلسلة الرتب والرواتب ستطبق، واذا حصل بعض التأخير التقني فيها سيتم استدراكه في وقت لاحق من خلال الاعتمادات المتوافرة لدى وزارة المال.






