لماذا يحتاج لبنان إلى إعادة بناء كامل لقطاعه الأمني المخابراتي؟
لا تنتهي الأنظمة الاستبدادية بمجرد سقوط حكامها لأن أخطر ما تتركه خلفها ليس القصور الرئاسية ولا الشعارات السياسية بل الثقافة المؤسسية التي زرعتها داخل أجهزة الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية. فهذه المؤسسات إذا تأسست على عقيدة حماية السلطة بدل حماية القانون غالباً ما تستمر في العمل بالمنطق نفسه حتى بعد تغير الظروف السياسية، لأنها لا ترى نفسها جزءاً من مرحلة انتهت بل تعتبر نفسها الضامن الوحيد لاستمرار الدولة كما تتصورها هي.
تؤكد دراسات علم النفس الاجتماعي وعلم التنظيمات أن المؤسسات تطور مع مرور الزمن ما يسمّى «الثقافة التنظيمية» وهي منظومة من القيم والقواعد غير المكتوبة التي تحدد كيف يفكر أفراد المؤسسة، ومن يعتبرونه صديقاً أو عدواً وما هي الوسائل المقبولة لتحقيق أهدافهم. ولذلك فإن تغيير الحكومات لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير هذه الثقافة، ما لم يرافقه إصلاح مؤسسي عميق يعيد تعريف الوظيفة الأمنية وعلاقتها بالدستور والمجتمع.
في الحالة اللبنانية يدور منذ سنوات نقاش سياسي وفكري حول مدى تأثر بعض المؤسسات الأمنية بالإرث الذي تشكّل خلال مرحلة نفوذ نظام الأسد البائد في لبنان، وهي مرحلة اتسمت بتشابك العلاقة بين الأمن والسياسة وبات فيها الأمن لاعباً أساسياً في إدارة الحياة العامة وليس مجرد مؤسسة تطبق القانون، وهذا الإرث إذا لم يخضع للمراجعة يترك آثاراً طويلة الأمد على طريقة عمل المؤسسات حتى بعد تغير البيئة الإقليمية التي نشأ فيها.
إن المشكلة الأساسية ليست في الأشخاص بقدر ما هي في العقيدة المؤسسية. فعندما تُبنى المؤسسة على أساس حماية النظام السياسي وقوى أمر الواقع أكثر من حماية الدستور تصبح أدواتها موجهة نحو مراقبة المجال السياسي والاجتماعي، ويصبح التعامل مع الاختلاف السياسي بوصفه تهديداً أمنياً بدل أن يكون جزءاً طبيعياً من الحياة الديمقراطية. وهنا يظهر ما يسميه علماء النفس السياسي «عقلية الحصار» حيث تنظر المؤسسة إلى مجتمع معين باعتباره مصدراً دائماً للمخاطر لا شريكاً في بناء الدولة.






