بيروت - لبنان

اخر الأخبار

26 حزيران 2026 12:21ص إحياء عاشوراء بالوحدة لا بالفتنة

حجم الخط
يُحيي المسلمون اليوم ذكرى عاشوراء، المناسبة التي تستحضر واحدة من أكثر المحطات إيلاماً وتأثيراً في التاريخ الإسلامي، وهي استشهاد الإمام الحسين بن علي في كربلاء. فهذه الفاجعة لم تكن حدثاً عابراً في سياق الصراع السياسي آنذاك، بل شكّلت جرحاً عميقاً في وجدان الأمة الإسلامية، وطعنة مؤلمة في خاصرة الإسلام، الذي قام على قيم العدل والرحمة ووحدة المؤمنين.
لقد تحوّل الحسين، بما مثّله من ثبات على المبدأ، واستعداد للتضحية دفاعاً عن الحق، إلى رمز إنساني وأخلاقي يتجاوز الانتماءات المذهبية والطائفية. ومن هنا، فإن إحياء ذكراه لا ينبغي أن يكون مناسبة لاستحضار الأحقاد أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، بل فرصة للتأمل في المعاني السامية التي جسّدها: رفض الظلم، والتمسك بالكرامة، ونصرة المظلوم، والاستعداد للتضحية من أجل القيم العليا.
ومن المؤسف أن تخرج بين الحين والآخر أصوات تحاول استغلال هذه المناسبة الدينية والوجدانية لإثارة العصبيات المذهبية وتأجيج مشاعر الكراهية بين أبناء الدين الواحد. فالكلام عن حمل «ثأر» يمتد لأربعة عشر قرناً،  «كما اعلن احد النواب الأكارم»، لا يخدم قضية الحسين، ولا يكرّم ذكراه، بل يسيء إلى رسالته، وإلى جوهر الإسلام نفسه. فالأمم لا تبني حاضرها ومستقبلها بالأحقاد التاريخية، بل بالعدالة والمصالحة والشراكة الوطنية.
إن لبنان، الذي يواجه تحديات سياسية واقتصادية وأمنية معقدة، ليس بحاجة إلى خطابات تستحضر الانقسامات، بل إلى مواقف عاقلة و مسؤولة تعزز مناعة المجتمع في وجه الفتن. وأخطر ما يمكن أن تواجهه الأوطان ليس الاختلاف في الرأي، بل تحويل هذا الاختلاف إلى نزاع طائفي أو مذهبي يهدد السلم الأهلي، ويبدد ما تبقى من عناصر القوة والوحدة.
من هنا، تكتسب عاشوراء هذا العام أهمية مضاعفة. فهي مناسبة للتأكيد أن الحسين ليس رمزاً لفئة دون أخرى، بل قيمة جامعة لكل من يؤمن بالحق والعدالة والكرامة الإنسانية. وهي فرصة للتذكير بأن دماءه التي أُريقت في كربلاء يجب أن تكون حافزاً لوأد الفتن لا لإحيائها، ولتعزيز أواصر الأخوة الإسلامية لا لتقويضها.
فأعظم وفاء للحسين لا يكون بحمل ثارات الماضي، بل بحمل رسالته الأخلاقية والإنسانية، والعمل من أجل مجتمع أكثر عدلاً وتسامحاً وتماسكاً، في زمن باتت فيه الأمة أحوج ما تكون إلى جمع الكلمة، وتحصين الصفوف في مواجهة مشاريع الانقسام والتفتيت، والتصدي لحرب التدمير والتهجير التي يشنها العدو الإسرائيلي على كل لبنان، من خلال إستهدافه مدن و قرى الجنوب.