حين يتفوَّق الإنسان على الشيطان
أحيانًا، وأنا أتابع ما يجري حولنا، أشعر وكأن الشياطين تقف متفرجة، بل ترقص طربًا، بعدما تفوّق الإنسان عليها في ابتكار وسائل إيذاء أخيه الإنسان، وتدمير بيئته، وتشويه الحقيقة. وكأن الشر لم يعد يحتاج إلى وسوسة، بل أصبح مشروعًا يتقنه البشر بإرادتهم، ويبررونه بعقولهم.
قال توماس هوبز: «الإنسان ذئب لأخيه الإنسان.» وربما لم يكن يقصد أن الإنسان يولد شريرًا، بل أن غياب الضوابط الأخلاقية والقانونية يحوّل القوة إلى حق، ويجعل المصلحة أعلى من الضمير. ثم جاء نيتشه ليتحدث عن إرادة القوة، فإذا بنا نرى هذا المنطق يحكم جانبًا كبيرًا من عالمنا؛ حيث لا تُقاس العدالة بما هو حق، بل بما يستطيع الأقوى فرضه.
لكن الأخطر من القوة نفسها هو السردية التي تبررها. عبر التاريخ، كان الإنسان يبحث دائمًا عن غطاء يمنح أفعاله شرعية؛ مرة باسم الدين، ومرة باسم الحضارة، ومرة باسم الحرية، ومرة باسم الأمن القومي. تتبدل الشعارات، ويبقى الدم هو الضحية.
ولهذا فإن اختزال العنف في دين واحد، أو ثقافة واحدة، أو شعب واحد، ليس تحليلًا علميًا، بل هو صورة أخرى من صور التعصب. فالتاريخ الإنساني كله، بلا استثناء، يحمل صفحات من المجازر والحروب والاضطهاد، ارتكبتها أمم وأديان وأيديولوجيات مختلفة. المشكلة لم تكن يومًا في النصوص وحدها، بل في الإنسان عندما يوظفها لخدمة السلطة والكراهية.
إن أخطر ما يواجه البشرية اليوم ليس اختلاف الأديان، بل جمود العقول داخل قوالب جاهزة. فعندما نتوقف عن التفكير، ونكتفي بترديد الصور النمطية، يصبح الحوار مستحيلًا، ويصبح الآخر متهمًا قبل أن يُسمع.
لهذا، فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الأديان، بل مع الجهل، والاستبداد، والفقر، والتعصب، وكل ما يحوّل الإنسان إلى أداة في يد الكراهية. فإصلاح الفكر أعمق أثرًا من مهاجمة العقائد، وبناء العدالة أقوى من صناعة عدو جديد.
وربما لهذا السبب أجد راحة في القراءات التي ترفض الأحكام السهلة، وتدعونا إلى فهم الإنسان قبل إدانته، والظروف قبل إطلاق الأحكام. فالعالم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شجاعة التفكير.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: أي دين أكثر عنفًا؟ بل: كيف يستطيع الإنسان، مهما كان دينه أو فكره، أن يحوّل أي فكرة نبيلة إلى مبرر للقتل إذا غابت الأخلاق، وغابت العدالة، وغاب الضمير؟
خلود وتار قاسم






