لبنان أمام امتحان تاريخي
أخشى أن يكون كثير من اللبنانيين قد تابعوا زيارة رئيس الجمهورية إلى الولايات المتحدة بعينٍ تبحث عن الصور، فيما كانت الحقيقة تجري في مكان آخر.
من استقبل الرئيس؟ ماذا ارتدى؟ كيف صافح الرئيس الأميركي؟ كم دقيقة استمر اللقاء؟...
كلها أسئلة مشروعة، لكنها ليست السؤال الحقيقي.
السؤال الحقيقي هو: أي لبنان دخل إلى البيت الأبيض؟ وأي لبنان خرج منه؟
نحن نعيش لحظة لا تشبه أي مرحلة سابقة. الشرق الأوسط يُعاد رسمه سياسياً وأمنياً واقتصادياً. التحالفات تتغير، والحدود التي كانت تبدو ثابتة أصبحت قابلة للتفاوض، والمفاهيم التي حكمت المنطقة لعقود تُعاد صياغتها أمام أعيننا. وفي مثل هذه اللحظات، لا تذهب الدول إلى واشنطن لتبادل المجاملات، بل لتحديد موقعها في الخريطة الجديدة.
قد يرى البعض أن بروتوكول الاستقبال لا يستحق النقاش، وربما يكون محقاً. وقد يرى آخرون أن الصورة حملت رسائل سياسية، وربما يكونون محقين أيضاً. لكنني أعتقد أن اختزال الزيارة كلها في مشهد بروتوكولي هو ظلم للحقيقة، لأن ما كان يُناقش خلف الأبواب المغلقة أخطر بكثير من أي صورة أمام الكاميرات.
الملفات المطروحة لم تكن بسيطة: مستقبل الجنوب، انسحاب إسرائيل، دور الجيش اللبناني، سلاح حزب الله، المساعدات العسكرية، إعادة الإعمار، وعلاقة لبنان بالنظام الإقليمي الذي يتشكل اليوم. هذه ليست ملفات تخص رئيس الجمهورية وحده، بل تحدد شكل الدولة التي سيعيش فيها أولادنا.
وهنا أصل إلى ما يقلقني.
لطالما انقسم اللبنانيون حول الأشخاص، بينما كانت القرارات الكبرى تُصنع فوق رؤوسهم. نصفق لهذا، ونهاجم ذاك، ثم نكتشف بعد سنوات أن التاريخ لم يكن مهتماً بخلافاتنا الصغيرة، بل بالقرارات التي غيّرت مصير البلاد.
لا أريد أن أمدح الزيارة، ولا أن أدينها. فما زلنا لا نعرف نتائجها الفعلية. لكنني أرفض أن نتعامل معها كخبر عابر، لأنها قد تكون واحدة من المحطات التي سيعود إليها المؤرخون بعد سنوات ليقولوا: من هنا بدأ مسار جديد... أو من هنا ضاعت فرصة أخرى.
الدول الكبرى لا تتحرك بدافع العاطفة، ولا تمنح شيئاً بلا مقابل. هذه قاعدة يجب أن نفهمها جميعاً. من السذاجة أن نعتقد أن أي قوة دولية تعمل من أجل لبنان وحده، ومن الظلم أيضاً أن نرفض أي انفتاح لمجرد أنه يأتي من دولة كبرى. السياسة ليست أبيض أو أسود؛ إنها إدارة مصالح، والسؤال هو: هل نعرف نحن كيف ندير مصلحة لبنان؟
إن أخطر ما يواجه وطننا اليوم ليس فقط الأزمة الاقتصادية أو الانقسام السياسي، بل أن يبقى اللبناني أسير ردود الفعل، يكتفي بمراقبة المشهد بدل أن يناقش الاتجاه الذي تسير إليه الدولة.
قد يختلف اللبنانيون على الخيارات، وهذا طبيعي. لكن ينبغي أن يتفقوا على أمر واحد: لا يجوز أن يُرسم مستقبل لبنان في ظل غياب نقاش وطني صريح، يضع المصلحة الوطنية فوق الولاءات، وفوق العواطف، وفوق الحسابات الضيقة.
لست قلقة من لقاء رئيسين، أنا قلقة من لقاء التاريخ بلبنان،
لأن التاريخ لا يمنح الدول فرصاً كثيرة، والأمم لا تُحاسَب على نواياها، بل على القرارات التي اتخذتها عندما كانت تقف عند مفترق الطرق.
خلود وتار قاسم






