قبّلت أرض القنصلية... فانفجر الوطن في الغربة!
زرت القنصلية اللبنانية في مونتريال للتصديق على توقيع وكالة خاصة، وسرعان ما شعرت أنني في وطني لبنان بعد غياب وانقطاع لخمس سنوات.
الجلبة والهرج والمرج من المراجعين، والأطفال الذين يسرحون ويمرحون بين عاملات المنازل الفليبينيات، نبرة الأصوات العالية، طريقة تعامل المراجعين مع الموظفين، الإعلانات المُلصقة ومنها أن دورة المياه هي خارج الخدمة، وأخيراً، استيفاء رسوم بقيمة 81 دولاراً كندياً للتصديق على صحة التوقيع... ودون إلصاق طابع!
تأثّرت بشدّة، واغرورقت عيناي بالدموع، ولم أجد نفسي سوى ساجداً أقبّل أرض القنصلية، أرض لبنان في الغربة، وأنا أنشد بصوت مكسور: «بحبّك يا لبنان يا وطني».
في لحظة، تحوّل المكان إلى مسرح وطني كامل. ارتفعت الهتافات، انفجر التصفيق الحاد، وانهالت عليّ أوراق الكلينكس من كل صوب كأنها أمطار من المناديل الورقيّة، لمسح دموعي الغالية. تمددت أيدٍ تحمل زجاجات مياه لعلّها تروي ظمأي إلى مياه الليطاني والعاصي والبردوني والأولي... والكلب!
شكرت الجميع من كل قلبي، وعلى رأسهم الفريق العامل في القنصلية، وخرجت من المبنى محاطاً بالأدعية والبركات وأطيب التمنيات، والـ«الله معك» و«ربّي يحفظك» و«خلّيك بخير»، وكل الحاضرين يرددون معي بصوت واحد الأغنية المُلازمة في كل تجمّع لبناني في الغربة: «راجع راجع يتعمّر راجع لبنان»!
خرجت من الباب، تفقّدت جواز سفري الكندي الموجود في جيبي باطمئنان... صفعتني العاصفة الثلجية... وعُدتُ إلى الغربة وأنا أردد لنفسي معزياً ومواسياً: «بيكفي إنك لبناني»!






