مَنْ يتحمَّل مسؤولية عجز السلطة التشريعية؟
لا يجوز أن يتحول قانون العفو العام، مرة بعد أخرى، إلى ورقة مساومة على طاولة التجاذبات السياسية والطائفية، فيما يبقى مئات السجناء وعائلاتهم أسرى الانتظار، وتبقى معاناتهم مادة للاستثمار السياسي. فما شهدته الجلسات التشريعية الأخيرة لمجلس النواب لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل عكس عجزاً مقلقاً عن إنتاج تسوية وطنية في ملف إنساني واجتماعي شديد الحساسية، اعتاد اللبنانيون في حالات مماثلة أن يجدوا مخارج توافقية تراعي المصلحة الوطنية العليا.
إن تعطيل القانون لا يقتصر أثره على حرمان السجناء من فرصة إعادة النظر في أوضاعهم القانونية، بل يوجِّه رسالة سلبية إلى شرائح واسعة من اللبنانيين بأن الحسابات الفئوية ما زالت تتقدم على مقتضيات العدالة، وأن معاناة الناس يمكن أن تبقى رهينة الخلافات السياسية إلى أن يقضيَ اللهُ أمراً كان مفعولاً.
هذا لا يعني أن أي عفو يجب ألا يتحول إلى غطاء للإفلات من العقاب، ولا أن يمس حقوق الضحايا أو هيبة القضاء والدولة. لكن من غير المقبول أيضاً أن يستمر توقيف أشخاص سنوات طويلة بسبب بطء المحاكمات أو تعقيدات الإجراءات، فيما تعجز السلطة التشريعية عن تحمُّل مسؤولياتها في إيجاد حلول متوازنة تحفظ العدالة والرحمة في آن واحد.
إن استمرار تأجيل هذا الملف يهدد بتوسيع فجوة الثقة بين الدولة وبين شرائح مواطنية تشعر بالتهميش لأن قضاياها لا تحظى بالاهتمام الكافي. وفي مرحلة يسعى فيها لبنان إلى ترسيخ الاستقرار واستعادة هيبة مؤسساته، تصبح إزالة أسباب الاحتقان في الشارع مسؤولية وطنية لا يجوز التهرب منها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ضوء الجهود المبذولة لتعزيز العلاقة بين المؤسسة العسكرية والمواطنين في مختلف المناطق. فالجيش اللبناني نجح خلال السنوات الماضية في ترسيخ صورته كمؤسسة وطنية جامعة، لكن ترسيخ هذه الثقة يحتاج إلى مناخ سياسي يساعد على طي صفحات الماضي عبر مقاربات عادلة ومتوازنة، لا إلى استمرار الملفات العالقة التي تغذي الشعور بالغبن، وتمنح دعاة الانقسام ذرائع إضافية.
إن لبنان أحوج ما يكون اليوم إلى سياسة وطنية قائمة على المصالحة، لا على إدارة الأزمات، وعلى الشجاعة في اتخاذ القرارات، لا الهروب منها. أما إبقاء قانون العفو العام رهينة الحسابات الضيقة، فإنه لا يؤجل حلاً قانونياً فحسب، بل يؤجل أيضاً فرصة لترميم الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتعزيز السلم الأهلي، ويؤجج الانقسامات ويكرس واقع إهدار الفرص.






