مشروع الهدنة المؤقتة الذي قدمته مجموعة من الدول المؤثرة في القرار الدولي، يؤكد مدى الإهتمام الدولي بالحرب المحتدمة على الأراضي اللبنانية، وما يرافق هذا الإهتمام من حرص على تجنب الإنزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
ولكن الجهود الدولية المكثفة تبقى بلا جدوى إذا لم تتجاوب معها الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب، ويتعامل معها نتنياهو بجدية واضحة، بعيداً عن أساليب المماطلة والتسويف التي إعتمدها في حرب غزة، بهدف تطويل أمد حرب الإبادة الإسرائيلية على مليوني فلسطيني في مدن القطاع.
وقياساً على التجارب المريرة لمفاوضات الصفقة بين تل أبيب وحماس، والتي كان نتنياهو يعطلها في اللحظات الأخيرة، من المبكر التكهن بإمكانية التوصل لإتفاق وقف النار بمثل هذه السرعة، وذلك لأن الصمت الدولي المتجاهل لاستنكار المجازر الوحشية التي يرتكبها العدو يومياً ضد المدنيين، ومعظمهم من النساء والأطفال، شجع نتنياهو على المضي قدماً في هذه الحرب الغاشمة، والتي يعتبرها وزراء اليمين المتطرف بمثابة فرصة لا تعوض للثأر من حزب الله الذي سارع إلى فتح جبهة إسناد غزة في ٨ تشرين الأول الماضي، وللتخلص من قدرات الحزب القتالية، وترسانته الصاروخية، بحجة العمل على إعادة مستوطني الشمال إلى بيوتهم.
يُضاف إلى ذلك، أن الوزيرين المتطرفين بن غفير وسيموريتش سارعا إلى تهديد نتنياهو بالإستقالة من الحكومة في الموافقة على وقف النار مع الحزب، الأمر الذي يُفقد حكومته غطاء الأكثرية في الكنيست، فكان أن أوعز إلى مساعديه بنفي كل توجه لوقف إطلاق النار في لبنان، قبل تأمين العودة اللائقة لمستوطني الشمال.
ولكن مسار العدوان الغاشم، والذي يتوسع يومياً في الجغرافيا اللبنانية، جنوباً وشرقاً وشمالاً، يتجاوز بأبعاده مسألة عودة المستوطنين المهجرين إلى بيوتهم، ويطرح من جديد إمكانية عودة الإحتلال إلى الشريط الحدودي على الأقل، عبر عملية برية، يستعد جيش العدو الإسرائيلي لها منذ بضعة أشهر، بذريعة إبعاد عناصر الحزب إلى شمال الليطاني.
وغني عن القول أن إستمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان أسابيع أخرى، سيؤدي إلى تدحرج الإنهيارات التي تعصف بالبلد، في ظل غياب رئيس الجمهورية، وتعطيل المؤسسات الدستورية، وتُفاقم حالة الإنقسام والتشظي التي تهيمن على النسيج الإجتماعي، وتزيد الأمور إرباكاً.