بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 أيار 2026 12:15ص مصير التوازنات الإقليمية والدولية يتوقف على نتائج الصراع بين إيديولوجيا ولاية الفقيه والنزعة الصهيو-أميركية الاستئثارية

حجم الخط
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي تخطت الأمور التكتيكية إلى مسائل استراتيجية، يعاد على أساسها رسم ملامح المنطقة والتوازنات الدولية، ذلك أن النزاع القائم لم يعد يفهم على أنه نزاعٌ تقليدي على حدود دوليةٍ أو خلافٌ تقني حول برنامجٍ نووي أو صناعة صواريخٍ بالستية، فالمواجهة الدائرة اليوم في الشرق الأوسط منشؤها التعارض بين أيديولوجيتين متناقضتين تبنى عليهما مفاهيم السيادة ومرتكزات تنظيم السلطة، وهي بالتالي انعكاسٌ لصراعٍ بنيويٍ بين نموذجين متناقضين: الأول يقوم على نزعةٍ استعماريةٍ صيو-أميركية، والآخر يتبنى مفهوم إمبراطوريةٍ ذات مرجعيةٍ أيديولوجيةٍ دينيةٍ عابرةٍ للحدود.
لقد أظهرت التجربة التاريخية على امتداد قرنٍ من الزمن أن السلوك الإيراني لا يمكن اختزاله بالكامل في منطق دولةٍ قومية تقليديةٍ بل في توجهاتٍ أمبراطوريةٍ مذهبية، وفي المقابل لا يمكن فصله كليًا عن حسابات المصلحة والبراغماتية. فالبنية العقائدية القائمة على ولاية الفقيه تضفي على القرار السياسي بعداً يتجاوز الحدود، وتبقي فكرة «الدور الإقليمي» جزءاً من تعريف النظام الثوري لنفسه. غير أن هذا البعد الأيديولوجي لم يمنع، في محطاتٍ متعددة، من اعتماد مقارباتٍ تفاوضيةٍ ودبلوماسيةٍ مرنة عندما تقضي موازين القوى بذلك، ما يشير إلى تداخلٍ مستمرٍ بين العقيدة والمصلحة، ولا هيمنةٌ مطلقةٌ لإحداهما على الأخرى.
كل ذلك يدعو لفهم التوجهات الإقليمية الإيرانية من المنظار المشار إليه، وفهم السلوك الإيراني بوصفه نتاج مزيجٍ من الاعتبارات الأمنية والإيديولوجية الدينية التي ترى في المحيط الجيوسياسي امتداداً طبيعيًا للتأثير الهادف إلى بناء عمقٍ استراتيجي مبني على إنشاء شبكات نفوذٍ معقدةٍ داخل عددٍ من الدول التي تضمٌ بين مٌكوناتها الشعبية مجموعاتٍ تتبنى ذات الإيديولوجية العقائدية. هذا التعقيد يثير إشكالياتٍ ذات علاقةٍ بالسيادة وتعدد مراكز القرار داخل الدولة الواحدة، من دون الوصول إلى حالة تغييبٍ كاملٍ لمنطق الدولة أو تفككها إلى كياناتٍ مستقلة.
خطورة هذه التوجهات تتعاظم في ظل توفر عناصر قوةٍ ماديةٍ استثنائية، كما هو الحال بالنسبة إلى إيران التي تمتلك احتياطياتٍ بتروليةٍ ضخمة، وتطل على ممراتٍ حيويةٍ، مثل مضيق هرمز، وتتمتع بمساحةٍ جغرافيةٍ شاسعةٍ (تقارب المليون وستماية وخمسين كم2)، كل ذلك يوفر لإيران قدرات تأثيرٍ تتجاوز نطاقها الإقليمي الوطني. ولا تقتصر تبعاته على اضْطرابات الملاحة في المضيق على توازنات المنطقة فقط وتهديد مصالح دولها، بل تمتد آثارها لتطال الاقتصاد العالمي برمته، ما يجعل إدارة الصراع معها مسألةً دوليةً بامتياز، لا مجرد شأنٌ إقليمي.
في المقابل، تبدو الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية ذات أغراضٍ استعماريةٍ استئثاريةٍ تقوم على ضغوط التهديد والوعيد واستعمال القوة المفرطة تارةً ولغة الاحتواء بالتفاوض تارةً أخرى، من دون أن تستقر على مقاربةٍ واحدةٍ نهائيةٍ بغرض تضليل الطرف الآخر وإرباكه. وبينما برزت في مراحل سابقةٍ محاولاتٌ لإدماج إيران ضمن ترتيباتٍ دوليةٍ (على غرار الاتفاق النووي الذي ألغي من طرفٍ واحد)، اتجهت مراحل أخرى نحو تشديد الضغوط العسكرية والاقتصادية، كمحاولةٍ لتقليص نفوذها ولجم تطلعاتها. هذا التذبذب في المقاربات الأميركية مقصودٌ بغرض إرباك الخصم وإحداث التباين والخلاف داخل المعسكر المقابل، وبذات الوقت يعكس حدود القدرة على التغيير أو فرض حلولٍ حاسمةٍ في بيئةٍ شديدة التعقيد.
غير أن التحليل المتجرد يستوجب التوقف عند نقدٍ جذري للسياسات الغربية والإسرائيلية ذاتها، ذلك أن تعقيدات الشرق الأوسط لا تفهم كاملةً دون فضح الممارسات التي أعادت إنتاج أنماط الهيمنة الاستعمارية القديمة برداءٍ جديد. فمن تقسيم المنطقة إلى كياناتٍ هشةٍ بموجب اتفاقية سايكس-بيكو، إلى الدعم المتواصل للأنظمة الأمنية القمعية باسم الاستقرار، ومن انتهاكات السيادة عبر الاغتيالات والضربات الجوية المباشرة في دولٍ كسوريا والعراق ولبنان، إلى سياسات التوسع الاستيطاني الإسرائيلي المحظورة دوليًا. هذه الممارسات تضعف الدولة الوطنية، وتولد ردود فعلٍ متطرفة وعنيفة، وتكرس منطق القوة الغاشم بديلاً عن منطق القانون الدولي والعادلة الاجتماعية، وتحمل المنطقة جزءاً كبيراً من تركة العنف التي تبرر بها الأيديولوجيات المتطرفة وجودها. على المستوى العملياتي، شهدت أنماط المواجهة تحولاً ملحوظاً، حيث لم يعد الهدف دائماً تعطيل الفعالية وتقليص القدرة على الاستخدام، بل غلب منطق التدمير الشامل. هذه المقاربة تركز على القضاء على التنظيمات الدائرة في محور الممانعة كليًا بدل الاكتفاء باحتوائها من خلال إضعافها وتقليل قدراتها كما كان يحصل في السابق، وذلك رغم إدراك المحور الأميركي - الإسرائيلي لصعوبة الحسم العسكري بمقاربات القتال التقليدي، وللكلفة العالية لمساعي الاجتثاث الكامل، لاقتناعهم أن أي وقفٍ للصراع في حالة اللاحسم وفق معادلة رابح-رابح لن تحول دون تكرار المماحكات بواسطة الأذرع، ولأنهم مدركون بأن فعاليتها تبقى نسبية، لتمتع الطرف المقابل بقدرةٍ عاليةٍ على التكيف وإعادة الترميم والتشكل.
في إيران، يرى المتابع للأحداث أن فرضية الانفجار الداخلي تبقى إحدى السيناريوهات الممكنة، إن لم نقل الحتمية. فالنظام، وإن كان قد أظهر تاريخيًا قدرةً عاليةً على التكيف واحتواء الأزمات، مستنداً إلى إيديولوجيته الدينية ومزيجٍ من أدوات الضبط الأمني والمرونة السياسية الانتقائية، قد يسقط فجأةً تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. وفي المقابل، إنه ليس بالضرورة أن يفضي الاهتزاز الكبير في الداخل الإيراني إلى انتقالٍ منظمٍ للسلطة، بل من شبه المؤكد أنه سيفتح الباب أمام مساراتٍ أكثر تعقيداً، تتراوح ما بين إعادة التشكل أو الانزلاق في دوامة حربٍ أهليةٍ ستتسبب بحالةٍ من عدم الاستقرار والفوضى، بما تحمله من تداعياتٍ عنفيةٍ ونزعاتٍ انفصاليةٍ على غرار ما حصل في كل من سوريا والعراق وليبيا والسودان.
ومن المتصور أيضاً أن تتجاوز تداعيات الصراع الحدود الجغرافية لإيران ومنطقة الشرق الأوسط لتطال بنية النظام الدولي، لارتباط مصالح معظم الدول وفي طليعتها دول الخليج العربي لتأثيره المباشر على أسواق الطاقة، وأمن الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد العالمية، وكلها عناصرٌ مرتبطةٌ بشكلٍ مباشرٍ بما يجري في هذه المنطقة الحساسة اقتصاديًا، وهنا يبرز تعارض المصالح الدولية والتنافس الجيوسياسي في ظل التركة الاستعمارية التي لم تفرض حدوداً مصطنعةً فحسب، بل زرعت تناقضاتٍ طائفيةٍ وقوميةٍ جعلت من المنطقة ساحةً لصراعات القوى الكبرى. فبينما تسعى أميركا للحفاظ على هيمنتها عبر حلفائها التقليديين، تنافسها الصين وروسيا عبر استثماراتٍ اقتصاديةٍ ووجودٍ عسكريٍ ولو محدود، فيما تتصارع أطرافٌ إقليميةٌ كتركيا وإيران وإسرائيل على النفوذ. هذا التداخل يحول أي صراعٍ محلي إلى لعبة مصالحٍ دوليةٍ معقدة، حيث تتغير التحالفات وفق حساب اللحظة والمستجدات، وتستخدم الأطراف المحلية كوقودٍ في صراعاتٍ لا تمتلك قرارها.
وستجد قوىً كبرى مثل الصين ودول أوروبا وكندا وغيرها من الدول الصناعية، التي تواجه بدورها تحدياتٍ متزايدةٍ في إدارة آثار أي اضطرابٍ طويل الأمد في النفطية، نفسها معنية بالتدخل، ولو بصورةٍ غير مباشرة، لتأمين تدفقات الطاقة، فيما تراقب روسيا الغارقة في وحول أوكرانيا التحولات عن كثب باعتبارها جزءاً من معركتها الهادفة إلى إعادة تشكيلٍ أوسع لموازين القوى العالمية. 
الوضع مختلفٌ بالنسبة لدول الخليج العربي، فهي تدفع ثمناً باهظاً لهذا الصراع مباشرةً عبر هجماتٍ تستهدف منشآتها النفطية ومرافقها الحيوية، وتهديد الملاحة في مياهها الإقليمية، وتأثيراتٍ غير مباشرةٍ على أسواق الطاقة وجذب الاستثمارات. إن الخيار الأمثل لها لا يكمن في الرهان على طرفٍ ضد آخر، ولا في الانكفاء السلبي، بل في تبني استراتيجية توازنٍ ذكي تقوم على تعزيز قدراتها الدفاعية الذاتية، وتنويع شركائها الدوليين والإقليميين، والاستثمار في حلولٍ سياسيةٍ جامعةٍ تضع السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل في صميم أي ترتيبٍ إقليمي جديد، مع إبقاء قنوات حوارٍ مفتوحةٍ مع جميع الأطراف الفاعلة.
أما على صعيد الداخل اللبناني، فتتجسد هذه التعقيدات في صورةٍ مكثفة، حيث يتداخل المحلي بالإقليمي على نحوٍ يصعب فصله. ذلك أن وجود قوةٍ مسلحةٍ خارج إطار الدولة لا يختزل في كونه تحديًا أمنيًا فحسب، بل يشكل معضلةً سياسيةً بنيوية، تعكس توازناتٍ داخليةٍ دقيقةٍ وارتباطاتٍ خارجيةٍ متشابكة. وقد أظهر الواقع أن الدولة قاصرة عن القيام بواجباتها، لأن قدرتها على فرض سيادتها على إقليمها محدودة، في ظل الانقسام الداخلي العميق، وفي ظل ارتباط سلاح حزب الله بسياقٍ إقليميٍ - إيديولوجي واستعجالٍ أميركيةٍ لدفع لبنان للإنخراط في مسلسل التفاهمات الإبراهيمية السلمية.
إن كل المؤشرات توحي بأن الصراع يتجه نحو إعادة إنتاج توازناتٍ جديدة، بل نحو الحسم ولو لم يقض على عوامل عدم الاستقرار بصورةٍ قطعيةٍ وسريعاً، ذلك أن المواجهة بين مشاريع ذات طابعٍ أيديولوجي من جهة، ومنظوماتٍ دوليةٍ تراعي النزعة الاستعمارية للدول الغربية، لا تحسم عادةً بضربةٍ واحدة، بل لا بد أن تمر بفصولٍ متعاقبةٍ من القتال، يتخاللها استراحاتٌ بغرض التكيف والتصعيد وإعادة التموضع إن لزم الأمر.
ولا شك في أن الهدنات التي يعلن عنها بين الفينة والأخرى لا تعكس بالضرورة وجود أفقٍ للحل وبالتأكيد لا تشير إلى اقتراب نهاية الصراع، بقدر ما تمثل محطاتٍ أشبه باستراحة المحارب، ضمن مسارٍ أطول، مفتوحٍ على احتمالاتٍ متعددة. قد يرى قصيرو النظر فيه أن هذا المسار يتجه نحو احتواءٍ طويل الأمد للأزمة الراهنة، إلا أن التحليل المعمق يوحي أن مآل الصراع إلى تصعيدٍ أوسع يعيد رسم قواعد اللعبة واستبدال مقومات التوازنات التي كانت قائمةً ما قبل تفجر الصراع بمقومات توازناتٍ جديدة، قد تتطلب إحداث تحولاتٍ داخليةٍ جذريةٍ في النظام الإيرانين من شأنها أن تغير من طبيعته وإيديولوجيته. وفي جميع الأحوال، يبقى الثابت الوحيد أن نتائج هذا الصراع لن تقتصر على دول المنطقة، بل ستسهم في إعادة صياغة مرتكزات الاستقرار الدولي، في مرحلةٍ تبدو فيها قواعد النظام العالمي نفسها بحاجةٍ إلى المراجعة.