بيروت - لبنان

اخر الأخبار

8 أيار 2026 12:15ص تحالف «المطرقة والمبضع»: التوظيف الاستراتيجي وديناميكيات الصراع الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران

حجم الخط
د. طلال الساحلي* 

تُعدّ العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب في مواجهة المشروع الإيراني واحدة من أكثر التحالفات تعقيداً في التاريخ المعاصر، حيث لا تقتصر على التعاون العسكري التقليدي، بل تمتد لتشمل صياغة نظام إقليمي جديد وهندسة أمنية عابرة للقارات.

 فلسفة التحالف الوظيفي

إن إشراك الولايات المتحدة لإسرائيل في مواجهة إيران ليس نتاج عجز عسكري أميركي، بل هو «قرار بنيوي» يهدف إلى إدارة الصراع بأقل التكاليف السياسية وأعلى العوائد الاستراتيجية.
تعتمد واشنطن على إسرائيل كـ «أصل استراتيجي متقدم» (Forward Strategic Asset)، أو بالأحرى قاعدة جيوسياسية متقدمة في منطقة غرب آسيا وعلى تخوم أوروبا وأفريقيا - وقد تصبح ذات يوم عنصراً مؤثراً في العلاقة بين ضفتي الأطلسي، أوروبا وأميركا - حيث تتبادل الدولتان الأدوار ضمن منظومة تتكامل فيها القوة العظمى العالمية مع القوة الإقليمية الضاربة.

 الأسباب الموجبة لإشراك إسرائيل (المنطق الاستراتيجي الأميركي)

{ أولا: • تقاسم العبء والشرعية السياسية:
تعاني الإدارات الأميركية مما يعرف بـ «تعب الحروب» (War Weariness) بعد تجارب العراق وأفغانستان المريرة. ان إشراك إسرائيل يحوّل الصراع في نظر الرأي العام من «حرب هجومية أميركية» إلى «دفاع عن حليف تاريخي». هذا التوزيع يمنح واشنطن غطاءً سياسياً أمام الكونجرس والناخبين، ويقلل من فاتورة الالتزام العسكري المباشر، محوّلاً المواجهة إلى حالة من «الدفاع الجماعي» بدلاً من التورّط الفردي.
• التفوّق الاستخباراتي والعمليات «الرمادية»:
تمتلك إسرائيل شبكة استخبارات بشرية (human intelligence ) وعمقاً معلوماتياً داخل طهران يفوق أحياناً قدرات الأقمار الصناعية الأميركية. تكمن الأهمية هنا في القدرة على تنفيذ عمليات في «المنطقة الرمادية» - وهي المساحة الفاصلة بين السلم والحرب الشاملة. الاغتيالات الدقيقة والتخريب الموضعي للمنشآت هي أدوات إسرائيلية بامتياز، تمنح واشنطن قدرة على «الإنكار المقبول» (Plausible Deniability)، مما يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية كبرى قد ترفع أسعار النفط العالمية وتضر بالاقتصاد الأميركي.
• عقيدة الاستنزاف الذكي:
بدلاً من الحروب الشاملة التي تهدف لتغيير الأنظمة، تتبنى واشنطن عبر إسرائيل استراتيجية «الموت بألف جرح». تهدف هذه العقيدة إلى استهداف نقاط القوة النوعية لإيران (العلماء، تكنولوجيا الصواريخ، خطوط الإمداد وغيرها)، مما يبقي النظام الإيراني في حالة دفاعية دائمة واستنزاف لموارده، ويمنعه من تحقيق «الاستقرار الاستراتيجي» اللازم لتوسيع نفوذه في الجوار الإقليمي.
{ ثانياً: البُعد التكنولوجي وميدان الاختبار السيادي:
في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الحرب مجرد دبابات وطائرات، بل أصبحت صراعاً على «السيادة التكنولوجية»:
• الحرب السيبرانية الهجينة:
يمثل التعاون بين «الوحدة 8200» الإسرائيلية ووكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) قمة الهرم التكنولوجي العالمي. الميدان الإيراني يعمل كساحة اختبار حية لأدوات هجومية فائقة التطور (مثل فيروس «ستوكسنت»).
هذه الاختبارات الميدانية توفر لأميركا بيانات حيوية لتطوير ترسانتها السيبرانية ضد خصوم دوليين أكبر مثل الصين وروسيا.
• سيادة الذكاء الاصطناعي الحربي:
تشترك الدولتان في تطوير أنظمة استهداف تعتمد على خوارزميات الذكاء الاصطناعي. إسرائيل توفر «البيانات الحيّة» من مسارح العمليات المعقّدة، بينما توفر أميركا «القوة الحوسبية» والتمويل الضخم. هذا التكامل يخلق فجوة تقنية تجعل أي محاولة إيرانية للحاق بركب القوة التكنولوجية أمراً شبه مستحيل في المدى المنظور.
{ ثالثاً: الدوافع العميقة وغير المرئية (ما وراء المعلن): خلف الشعارات المتعلقة بالبرنامج النووي، تكمن محركات جيوسياسية تحت السطح:
• منع «مبدأ الطرف الثالث»:
تخشى إسرائيل تاريخياً من أي «تقارب» أو «صفقة كبرى» بين واشنطن وطهران قد تعيد الاعتراف بإيران كقوة إقليمية شرعية. لذا، فإن اشتراك إسرائيل العسكري والتحريضي يضمن «تسميم» المسارات الدبلوماسية باستمرار، مما يبقي إيران في خانة «العدو» ويمنع أي تحوّل استراتيجي أميركي قد يأتي على حساب التفوق الإسرائيلي.
• إعادة هندسة الإقليم (الناتو الإقليمي):
تمثل المواجهة مع إيران «المصلحة المشتركة» التي سمحت لإسرائيل بكسر عزلتها التاريخية. هذا العدو المشترك هو المحرك الأساسي لاتفاقيات التطبيع مع المحيط وبناء هيكل أمني إقليمي جديد، حيث تصبح إسرائيل «المزوّد الأمني» والحليف العسكري الموثوق لدول المنطقة الساعية للحماية، وكل ذلك تحت رعاية المظلة الأميركية.
• إدارة الفوضى المحكومة:
هناك فرضية تقول إن واشنطن لا تسعى لإسقاط النظام الإيراني بشكل مفاجئ لتجنب حدوث فراغ أمني قد تملؤه قوى متطرفة أو نفوذ صيني مباشر. بدلاً من ذلك، تُستخدم إسرائيل كـ «كابح دينامي» (Brake) يبقي طهران ضعيفة ومشغولة بأزماتها، مما يمنعها من منافسة أميركا على السيطرة على طرق التجارة الدولية (مثل ممر الهند - أوروبا) أو أمن الطاقة العالمي.
{ رابعاً: ديناميكية «الجر» المتبادل (من يقود الآخر؟):
العلاقة بين الطرفين، الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، ليست علاقة تابع ومتبوع، بل هي حالة من «الاعتماد أو التخادم المتبادل المعقّد»:
• الجر بالتحريض (إسرائيلياً):
نجحت إسرائيل عبر عقود في «أمننة» (Securitization) الملف الإيراني، أي نقله من ملف سياسي يمكن التفاوض حوله إلى تهديد وجودي كوني. عبر الضغط السياسي في الكونجرس واللوبيات التابعة لها، حيث استطاعت إسرائيل رسم «خطوط حمراء» تجبر الإدارة الأميركية على التحرك دفاعاً عن صدقيتها كقوة عظمى تلتزم بحماية حلفائها.
• الجر بالتوظيف (أميركياً):
من جهة أخرى، توظف واشنطن «الفوبيا» الإسرائيلية تجاه إيران لتحقيق أهدافها الخاصة.
فبدلاً من إرسال جيوشها، تترك لإسرائيل القيام بالمهام «المبضعية» الدقيقة، محتفظة لنفسها بدور «الميزان» الذي يتحكم في إيقاع الصراع؛ فهي تارة تضغط على الزناد عبر إسرائيل، وتارة أخرى تمسك يدها لتفتح باباً للمناورة الدبلوماسية.
إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران هي سيمفونية من القوة الصلبة والناعمة، حيث توفر أميركا «المطرقة» (الردع الاستراتيجي الشامل، العقوبات الاقتصادية، والغطاء الدولي)، بينما توفر إسرائيل «المبضع» (الاستخبارات البشرية، العمليات الجراحية، والابتكار التكنولوجي الميداني). هذا التكامل يضمن بقاء الشرق الأوسط منطقة نفوذ غربية (أميركية) بامتياز، ويمنع نشوء أي قطب إقليمي منافس، مع ضمان استمرار التفوّق النوعي الإسرائيلي كركيزة للاستقرار الأميركي في المنطقة.

* وزير سابق