في الوقت الذي كان اللبنانيون يترقبون فيه ولادة قانون تخفيض العقوبات عن المساجين من مختلف الفئات ، بعد أشهر طويلة من النقاشات والتجاذبات والوعود المتكررة، عاد هذا الملف الإنساني والقضائي الشائك إلى دائرة التعطيل السياسي، ولكن هذه المرة عبر بوابة مفاجئة أثارت الكثير من علامات الاستفهام، تمثلت في موقف نائب رئيس مجلس النواب إلياس أبو صعب الذي تحدث عن "عدم رضى" قيادة الجيش عما تم التوصل إليه في اجتماع بعبدا الأخير.
هذا الموقف بدا مستغرباً في الشكل والتوقيت معاً، خصوصاً أن الاجتماع الذي عقد في القصر الجمهوري برئاسة الرئيس جوزاف عون، وبحضور وزير الدفاع وعدد من النواب المعنيين، كان قد أفضى إلى تفاهمات وُصفت بأنها متقدمة، وقابلة للبناء عليها لإقرار المشروع ضمن ضوابط قانونية وأمنية واضحة. والأهم أن المعطيات المتوافرة تؤكد أن المؤسسة العسكرية لم تعترض على أصل المشروع، بل أبدت بعض الملاحظات التقنية والتنفيذية، التي تدخل في صلب مسؤولياتها المهنية، مع تأكيد استعدادها الكامل لإحترام وتنفيذ أي قرار يصدر عن المرجعيات الدستورية المختصة.
من هنا، يصبح السؤال مشروعاً حول خلفيات إقحام قيادة الجيش في بازار التعطيل السياسي، ومحاولة تصوير المؤسسة العسكرية وكأنها تقف في مواجهة التسوية المطروحة، رغم حرصها الدائم على النأي بنفسها عن الاصطفافات السياسية والتجاذبات النيابية. فهل كان ما صدر عن أبو صعب مجرد اجتهاد شخصي؟ أم أن الرجل ينقل رسائل من "جهات سياسية" لا ترغب بتمرير هذا الإنجاز في هذه المرحلة الحساسة؟
اللافت أن مسار القانون كان قد بدأ يكتسب زخماً سياسياً وشعبياً كبيراً، باعتباره خطوة تعكس جدية العهد والحكومة في مقاربة ملفات مزمنة استعصت على الحل لعقود طويلة، وفي مقدمها أزمة السجون اللبنانية المكتظة، وما يرتبط بها من أوضاع إنسانية وقانونية وأمنية متفاقمة. ولذلك، فإن أي محاولة لتعطيل المشروع أو إعادة خلط الأوراق حوله، لا يمكن فصلها عن حسابات سياسية ملتبسة تتجاوز البُعد القانوني أو الأمني المباشر.
بعض الأوساط السياسية ذهبت أبعد من ذلك، عبر ربط هذا التعطيل بالتطورات الإقليمية والدولية، ولا سيما الجولة المرتقبة من المفاوضات مع واشنطن، باعتبار أن هناك من لا يريد تسجيل أي إنجاز إضافي لصالح رئاسة الجمهورية والحكومة في هذا التوقيت بالذات، أو إظهار الدولة بمظهر القادرة على معالجة الملفات الداخلية المعقدة بعيداً عن واقع العجز والشلل المزمن، الذي كانت تتخبط فيه ردحاً من الزمن.
وفي جميع الأحوال، فإن الزج باسم المؤسسة العسكرية في هذا السجال لغايات في نفس يعقوب، يبقى أمراً شديد الحساسية والخطورة، لأن المطلوب اليوم حماية ما تبقّى من ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم الدستورية والأمنية، ولا يجوز التلطي وراء الجيش، واستخدام المؤسسات العسكرية والقضائية كأدوات ضغط في معارك سياسية لأهداف فئوية أو شخصية وتُلحق أفدح الأضرار بمسار إعادة تفعيل دور الدولة القادرة.